
معنى الفقر إلى الله
ماذا لو لم تتحمّل تجلّي الإمام؟ قصّة العارف الآملي مع بقيّة الله
ما هي حقيقة العلاقة بين العبد وربّه؟ هل هي عقودٌ متبادلة بين طرفين أم علاقة من طرفٍ واحد؟ ما هو الطلب الحقيقيّ للعارف بالله؟ وكيف تكون تجربة الفناء صعبة حتّى للسالكين الكبار؟ تجيبك هذه المحاضرة، وهي الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس «تعاليم المعرفة»، عن هذه الأسئلة وغيرها من الأفكار العرفانيّة العميقة.
معنى الفقر إلى الله
8ربما تشعرون براحة كبيرة وتقولون يا سلام، سننام ونستريح، خاصة إذا كان الفراش ناعمًا ودافئًا والجو باردًا وكنت تجلس تحت الكرسي..
لقد وضعنا كرسيًا في الطابق العلوي، وتركنا الأبواب في الغرف مفتوحة، والريح تهبّ بقوّة، تدخل من هذه الجهة من الباب والنافذة وتخرج من باب الشرفة من الجهة الأخرى، بحيث يتجمّد الإنسان من شدّة البرد، لكنّنا كنّا نجلس تحت الكرسي بسعادة كبيرة. وكان ينقصنا وجودكم فقط [مزاح].
ما هو السبب الذي جعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ـ عندما رُفع وجوب صلاة الليل عن الناس وبقي الوجوب بالنسبة إليه فقط ـ عندما خرج إلى أزقّة المدينة وتجوّل فيها، رأى أن «لَهُم دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحلِ». كانت أصوات المناجاة والقرآن تتصاعد من نوافذ البيوت كأنّها دويّ النحل. وكان النبيّ قد خرج ليرى هل سيبقى الناس ملتزمين بعبادة الليل بعد أن رُفع عنهم الحكم أم لا؟ طوبى لهم.
ما هو الطلب الحقيقي للعارف؟
لو كان لدينا جزء واحد من مليار جزء ممّا كان لدى أمير المؤمنين عليه السلام، لفعلنا مثل أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الحالة الروحية التي يعبد فيها الله، حيث لم يكن يرى أصلًا أيّ حاجة في وجوده ليجعل عبادة الله من أجلها. حتّى العبوديّة! انظروا! حتّى العبوديّة، وحتّى الفناء، وحتّى جماله، وحتّى وصفه، لا شيء لا شيء أبدًا، لا يرى أيّ شيء أصلًا [غير الله]، يصلّي ويقول: الله أكبر، ﴿بِسمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ﴾، ثمّ «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ولا يشعر بوجود دعاءٍ أو طلب في كيانه [ليحصل عليه من هذه الصلاة].
إذًا، ما هو هذا الطلب الذي يتحدّث عنه الإمام السجّاد عليه السلام هنا؟ إنّه ذلك الاشتياق الذي يلازم الإنسان في كلّ أحواله، ليس فقط في وقت الصلاة والمعاملة، ولا مخصوص في وقت الصوم والحجّ والزكاة ودفع الخمس... بل هو ذلك الاشتياق الدائم فينا، وهو أن يمنح الله الإنسان مقام العبوديّة. هذا الطلب هو الذي يقول عنه الخواجة حافظ الشيرازي:
لن أكفّ عن الطلب حتّى أنال مرادي *** فإمّا أن تصل الروح إلى المحبوب أو تخرج الروح من الجسد
