
معنى الفقر إلى الله
ماذا لو لم تتحمّل تجلّي الإمام؟ قصّة العارف الآملي مع بقيّة الله
ما هي حقيقة العلاقة بين العبد وربّه؟ هل هي عقودٌ متبادلة بين طرفين أم علاقة من طرفٍ واحد؟ ما هو الطلب الحقيقيّ للعارف بالله؟ وكيف تكون تجربة الفناء صعبة حتّى للسالكين الكبار؟ تجيبك هذه المحاضرة، وهي الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس «تعاليم المعرفة»، عن هذه الأسئلة وغيرها من الأفكار العرفانيّة العميقة.
معنى الفقر إلى الله
4يقولون بأنّ جملة ﴿أَنتُمُ ٱلفُقَرَآءُ﴾ جملة اسميّة تدلّ على حصر الثبوت، أي أنّكم أنتم الفقراء. وهنا يوجد تأكيد؛ فقد بدأ بـ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾، ثمّ خاطبهم مرّة أخرى بـ ﴿أَنتُمُ﴾. يا أيّها الناس أنتم الفقراء إلى الله، لستم فقراء إلى أنفسكم، ولا إلى أمثالكم، ولا إلى أشباهكم، بل أنتم فقراء إلى الله وحده.
كم هو جميلٌ أن يكون الإنسان فقيرًا إلى الله! كم هو جميلٌ أن يعلم الإنسان أنّ مولاه هو الله! كم هو جميلٌ ألّا يسمح الإنسان في توجّهاته بدخول أحدٍ غير الله! ألّا يسمح لصديقه بالدخول في علاقاته مع الله، ولا يسمح لأخيه، ولا لأخته، ولا لقريبه، ولا لصديقه، ولا للواسطة، ولا للعلاقات، ألّا يسمح لجميع هؤلاء بالدخول في علاقاته، وأن يكون الله وحده في قلبه... .
لا تظنّوا أنّني أمزح هنا! بل هذا الأمر هو أقلّ ما يجب أن يمتلكه السالك. [أما أن تقول] أنا أفعل هذا الفعل لفلان على أمل أن يأخذ بيدي ويساعدني لاحقًا، أنا أفعل هذا على أمل أن يحدث كذا لاحقًا،... يا عزيزي، كلّ هذا هراء وباطل. لقد جرّبوا وجرّبنا وسيجرّبون، والنتيجة كانت وستكون واحدة. يجب علينا فقط وفقط أن نطلب الله في وجودنا، وأن نسأل أنفسنا: ماذا يريد الله منّا؟
﴿أَنتُمُ ٱلفُقَرَآءُ﴾ إلى الله فقط، أمّا من جانبه تعالى فلا، لا فقر هناك ولا حاجة. بل ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلغَنِيُّ ٱلحَمِيدُ﴾. الله غنيّ ومستغنٍ. إذًا، فالمعاملة من طرفٍ واحد، وهي من جانبنا فقط. نحن لا خيار لنا، أمّا هو فيده مبسوطة؛ يفسخ المعاملة متى شاء، من دون أن يبالي بأحد! من يستطيع أن يعترض أو يتكلّم؟ ويقول: لماذا؟ أو يقول: كيف؟ من له حق أن يسأله أو يحاسبه؟ ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلغَنِيُّ ٱلحَمِيدُ﴾، الله هو الغنيّ والمستغني عن الجميع، وهو الحميد. أي أنّ جميع المحامد تعود إليه، وكلّ الثناء موجّه إليه. «الحميد» هو الذي يستأثر بكلّ حمدٍ لنفسه، فلا يُبقي لغيره شيئًا. أيّ ثناءٍ وحمد يُقال فهو له. فهو اسم على صيغة «فعيل»، وهو من أسماء الشرف، مثل ظريف وشريف ولطيف.
