
معنى الفقر إلى الله
ماذا لو لم تتحمّل تجلّي الإمام؟ قصّة العارف الآملي مع بقيّة الله
ما هي حقيقة العلاقة بين العبد وربّه؟ هل هي عقودٌ متبادلة بين طرفين أم علاقة من طرفٍ واحد؟ ما هو الطلب الحقيقيّ للعارف بالله؟ وكيف تكون تجربة الفناء صعبة حتّى للسالكين الكبار؟ تجيبك هذه المحاضرة، وهي الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس «تعاليم المعرفة»، عن هذه الأسئلة وغيرها من الأفكار العرفانيّة العميقة.
معنى الفقر إلى الله
3الفرق بين المعاملات اللازمة وغير اللازمة في الفقه
في المعاملات، وتحديدًا العقود اللازمة، وهي المعاملات التي يُلزم فيها الطرفان بتنفيذ بنود وشروط المعاملة، مثل البيع والهبة المعوّضة، أو الإجارة، أو النكاح؛ فالشروط الموجودة في النكاح أو البيع والشراء وأمثال ذلك من المعاملات اللازمة، تكون شروطها ملزمة لكلا الطرفين، فإذا أخلّ أحد الطرفين بتلك الشروط ثبت للطرف الآخر خيار إبطال العقد والفسخ.
وهناك نوعٌ آخر من المعامَلات هي المعاملات غير اللازمة من طرفٍ واحد وإن كانت لازمة من الطرف الآخر. لنفترض أنّ معاملةً ما قد تمّت، ولكنّها لازمة من جانبٍ واحد فقط، أمّا الطرف الآخر فقد تكون يده مبسوطة؛ كأن يتمّ عقد بيع ويشترط لنفسه حقّ الفسخ متى شاء، فيقول: أنا أفسخ هذه المعاملة متى أردت. ويقول الطرف الآخر: حسنًا، أنا أقبل بهذا الشرط. فالشرط ليس متبادلًا؛ بل أحد الطرفين يمكنه فسخ المعاملة متى شاء، أمّا الطرف الآخر فلا يستطيع، إذ قد سُلب منه حقّ الفسخ. أو مثل الهبة غير المعوّضة، حيث يمكن للواهب أن يسترجع هبته متى شاء. فلو وهبتَ كتابًا لشخصٍ ما، طبعًا بشرط ألّا يكون من ذوي الرحم، والمقصود بالرحم هنا الأقارب النسبيّون المقرّبون كالأخ والأخت والعمّ، وليس ابن عمّ جدّ الأب أو ابن عمّ بنت الخالة! فيمكنك استرجاع هذا الكتاب متى شئت، بشرط ألّا يكون قد غيّره أو بدّله. هذه معاملة من طرفٍ واحد، وتسمّى بالمعاملات غير اللازمة.
لماذا علاقتنا بالله من طرف واحد؟
كيف هو حال علاقتنا بالله؟ هل عقدنا مع الله عقدًا واشترطنا عليه فقلنا له: يا ربّ، نحن نتوجّه إليك ونطلب منك حاجاتنا، ومن جهتك أنت عليك أن تقضيها! هل الأمر هكذا؟ أم أنّ المعاملة من طرفٍ واحد؟ الحق أنّ المعاملة من طرفٍ واحد، ولذا علينا أن نتوجّه إلى الله بكلّ ما لدينا، فإلى أين نذهب إن لم نتّوجه إلى الله؟ فالله تعالى لم يأتِ ليوقّع على تعهّدٍ ويقول: سأوقّع على العقد وأفعل كلّ ما تطلبونه. لا وجود لشيءٍ من هذا القبيل أصلًا. يجب علينا أن نتوجّه إلى الله ونرجع إليه، ويجب أن نقبل في قرارة أنفسنا أنّ معاملتنا مع الله هي من طرف واحد فقط.. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلغَنِيُّ ٱلحَمِيدُ﴾۱. الفقر من جهتكم أيّها الناس، لا من جهتي؛ الحاجة من جانبكم، لا من جانبي. إن كنت لا تصدّق، فجرّب ذلك بنفسك، لا مجاملة هنا، اذهب وجرّب لتتأكّد من ذلك.
- سورة فاطر(٣٥) الآية ۱٥.
