
معنى الفقر إلى الله
ماذا لو لم تتحمّل تجلّي الإمام؟ قصّة العارف الآملي مع بقيّة الله
ما هي حقيقة العلاقة بين العبد وربّه؟ هل هي عقودٌ متبادلة بين طرفين أم علاقة من طرفٍ واحد؟ ما هو الطلب الحقيقيّ للعارف بالله؟ وكيف تكون تجربة الفناء صعبة حتّى للسالكين الكبار؟ تجيبك هذه المحاضرة، وهي الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس «تعاليم المعرفة»، عن هذه الأسئلة وغيرها من الأفكار العرفانيّة العميقة.
معنى الفقر إلى الله
14القلب حرم الله لا تُدخل فيه غير الله
يقول الإمام السجّاد: لقد آمنت بتوحيدك، لقد أصبح وجودي كلّه لله. ومع ذلك كيف يمكن أن يُسمح لغيرك بالدخول إلى هذا الوجود، وأن يُسمح لغيرك بالدخول إلى القلب؟. القلبُ بیتُ الله، فلا تُدخِلْ فی بیتِ اللهِ غیرَ اللهِ. أو كما في الرواية: «الْقَلبُ حَرمُ الله، لا تُشرِكْ فی حَرَمِ اللهِ غیرَ اللهِ»۱. القلب حرمٌ إلهيّ، فلا تُشرك في هذا الحرم أحدًا غير الله، ولا تُدخِل فيه أحدًا غير الله. لو أدخلت مقدار رأس إبرة، لخسرت مقدار رأس الإبرة. وكذا لو أدخلت واحدًا بالمئة...
فلنكنْ مثل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. كيف كان النبيّ في الحروب؟ هل كنّا نحن هكذا في الأحداث التي مررنا بها؟ في القضايا التي مررنا بها، هل كان توجّهنا لله وحده، أم للأمور الأخرى وللأسباب والعلل؟! لزيد وعمرو، للبلد الفلاني والدولة الفلانية، لمساعدة هذا وذاك.
إنّ الهداية التي تأتي من الإمام المعصوم عليه السلام ومن رسول الله، هي الهداية التي تضع الله وحده أمامنا في كلّ حال، في الصعود والنزول، في هذا الجانب وذاك، في كلّ مكان، وتطرد ما سوى الله وتنبذه جانبًا. هذا هو الطريق الذي فتحه لنا الأئمة.
الطريق هو: «سُكونِی إِلَی صِدْقِ وَعْدِك وَ لَجَئِي إِلَی الْإِیمَانِ بِتَوْحِیدِك وَ یقیني بِمَعْرِفَتِك مِنِّي أن لَا رَبَّ لِي غَیْرُك». أنا على يقين بأنّ معرفتك بي، وبأنّ معرفتي بك، هي أنّه لا ربّ لي غيرك، ولا مؤثّر لي سواك، ولا سبب لي سواك، ولا ملجأ لي سواك.
حسنًا، نأمل أن نختم بإذن الله شرح هذه الفقرات إلى هذا الحد، وننتقل إلى الفقرات التالية في الليلة القادمة؛ لأنّني رأيت أنّه لو أردنا أن نتحدّث أكثر عن كيفية الثقة بالله وكيفية الإيمان به وما إلى ذلك، فإنّ الموضوع سيطول.
نسأل الله تعالى أن يحقّق الحقائق التوحيديّة في وجودنا، وألّا يجعل في مخيّلتنا أحدًا سواه، وأن يزيل كلّ ما بقي في وجودنا من هذه الأصداء والتعلّقات بلطفه وحده فقط وفقط. وإلّا، فلو ترك الأمر لنا ولاختيارنا وتوكّلنا على أنفسنا، أو كما يقولون اليوم مسألة الثقة بالنفس، لبقينا على حالنا هذا. لا يا ربي، نحن نقولها لك بصراحة تامّة، لا ثقة لنا بأنفسنا، ولا نحسن فعل أيّ شيء. نعلن بصراحة وبلا مجاملة أن لا ثقة بالنفس لدينا، ولا نستطيع فعل شيء، ولا نعلم شيئًا، جاهلون بكل ما للكلمة من معنى.
- بحار الأنوار ج ٦۷ ص ٢٥: قال الصادق عليه السلام: «القلب حرم الله فلا تسکن فی حرم الله غیر الله.»
