
معنى الفقر إلى الله
ماذا لو لم تتحمّل تجلّي الإمام؟ قصّة العارف الآملي مع بقيّة الله
ما هي حقيقة العلاقة بين العبد وربّه؟ هل هي عقودٌ متبادلة بين طرفين أم علاقة من طرفٍ واحد؟ ما هو الطلب الحقيقيّ للعارف بالله؟ وكيف تكون تجربة الفناء صعبة حتّى للسالكين الكبار؟ تجيبك هذه المحاضرة، وهي الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس «تعاليم المعرفة»، عن هذه الأسئلة وغيرها من الأفكار العرفانيّة العميقة.
معنى الفقر إلى الله
11إنّ ما يشير إليه حافظ الشيرازي في أشعاره هو هذه الحالة نفسها التي كانت تحدث للشيخ محمد تقي الآملي، ولكنّه لم يستطع أن يتحمّلها. أما لو كان حافظ مكانه، لكان قد قفز وقال: «تعال وحطّمني»: «فإمّا أن تصل الروح إلى المحبوب، أو تخرج الروح من الجسد». لذلك نرى أنّ لكلّ شخصٍ سعة وحدًّا معينًا.. ومن نحن حتى نأتي ونحكم على الناس؟ فنحن لدينا ألف عيب وعيب، ولكنّ الطريق الذي علّمنا إيّاه العظماء وأرشدونا إليه ليس هذا.
إنّ المقصود بـ«طَلِبَتِي وَحَاجَتِي» عند الإمام السجّاد، هو إحراز مقام الفناء والعبوديّة. يقول الإمام: «إنّ ذلك الطلب الباطني في نفسي، هو الوصول إلى الفناء والاندكاك في ذاتك، ومحو وإفناء كلّ التعيّنات الاستقلاليّة لوجودي، هذا طلبي وهذه هي حاجتي أتيتُ لأطرحها بنحوٍ ما، فأقول: يا إلهي، صحيح أنّني لا يخطر في ذهني أثناء الصلاة أنّها مقابل شيء، أي أنّني في معاملتي معك لا أرى أنّها معاملة ذات طرفين؛ فأنا أصلّي لك وأصوم لك وأحجّ لك، كلّ هذه الأمور لك وحدك، لكن مع ذلك، فالطلب الذي يدور في نفسي ويرافقني دائمًا، ما هو؟ هو أن أكون عبدًا لك.
كيف تعرف أنّ الله لم يُعرض عنك؟
ما هو جذر هذا الطلب؟ وما هو أصل وسبب هذه المسألة؟ الأصل فيه هو أنّني أثق بك. يأتي البعض ويقول: «يا عزيزي، إنّ الله لا يلتفت إلينا!». [لكن نقول له:] هذه الحرقة التي في قلبك الآن، من أين أتيت بها وأنت تتّهم الله؟ إذا كان الله لا يلتفت إليك، فمن أين تحصل لك حرقة القلب في البحث عنه؟ ومن أين أتيت بهذا السعي وهذه الحركة وأنت الآن تقول إنّ الله لا يهتمّ بنا؟ ومن أين أتيت بهذا التخلّي الذي به تتخلّى عن الكثير من الأمور لتصل إليه؟ ومن أين أتيت بهذا التفكير وهذه الرغبة وهذا التوجّه الموجود في نفسك وضميرك وقلبك، من أين جاء حتّى جعلك هائمًا مشتاقًا ومتّجهًا نحوه... ثم تأتي وتقول إنّه لا ينظر إليك؟ لو لم يكن ينظر إليك، لأصبح الأمر مختلفًا. لو لم يكن ينظر إليك، لكنت قد توقّفت عن البحث عنه وتركت المسألة، ووقعت في مشكلة كبيرة.
