
معنى الفقر إلى الله
ماذا لو لم تتحمّل تجلّي الإمام؟ قصّة العارف الآملي مع بقيّة الله
ما هي حقيقة العلاقة بين العبد وربّه؟ هل هي عقودٌ متبادلة بين طرفين أم علاقة من طرفٍ واحد؟ ما هو الطلب الحقيقيّ للعارف بالله؟ وكيف تكون تجربة الفناء صعبة حتّى للسالكين الكبار؟ تجيبك هذه المحاضرة، وهي الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس «تعاليم المعرفة»، عن هذه الأسئلة وغيرها من الأفكار العرفانيّة العميقة.
معنى الفقر إلى الله
10قصّة صاحب الإمام الباقر علیه السلام
أو كما في القصّة المتعلّقة بأحد أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، أظنّه أبا بصير أو أبان، لست متأكدًا، فقد جاء إلى الإمام وقال: يا ابن رسول الله، أريد أن تعرّفني على حقيقة التوحيد، وأن تكشف لي عن أسراره. فقال الإمام: لن تتحمّل! قال: لا بل أتحمّل. فقال الإمام: حسنًا. ثمّ وضع الإمام يده على الأرض، فجأةً! فشعر الرجل بأنّ الظلام بدأ يحلّ شيئًا فشيئًا،إلى أنّ دخل هذا الظلام فيه وبدأ يضغط عليه، وكادت عظامه تتكسّر. فصرخ: «يا ابن رسول الله، كفى لقد أخطأت! واشتبهت!». فرفع الإمام يده، وعاد كلّ شيء إلى حاله.۱
قصّة الشيخ الآملي ولقائه بإمام الزمان عليه السلام
ونظير ذلك، ما ذكره المرحوم الوالد العلامة في كتاب «التوحيد العلمي والعيني» على ما أظنّ، في أحوال المرحوم السيد أحمد، أو ربّما في كتاب «معرفة المعاد»، حول قصّة الحاج الشيخ محمد تقي الآملي، الذي اعتكف في مسجد السهلة أربعين ليلة أربعاء للقاء حضرة بقيّة الله أرواحنا فداه. وفي الليلة الأخيرة، شعر فجأةً بنورٍ يقترب منه، وهو وجود الإمام نفسه، فجاء النور وأحاط به وبدأ يشعر بالضغط عليه، فضغط على كلّ كيانه وجميع وجوده بأنواره القاهرة، لدرجة أنّ الشيخ الآملي أقسم على الإمام بأسماء الله الجماليّة والجلاليّة أن يتركه ويخلّصه، يا سيدي، لا نريد هذا اللقاء الذي يوصلنا إلى هذه الحال ويدمّرنا! نريد إمام زمانٍ لطيفًا، حنونًا، يداعبنا ويلاطفنا [ضحك]، أمّا هذا الإمام الذي يسحقنا ويحطم وجودنا... فلا نريده... فتركه الإمام.
ولكن لو سألني هذا العبد [عن رأيي] لقلت إنّه خسر؛ لأنّ الإمام لا يأتي ويفعل ذلك إلا لأجل انتزاع هذه النفس من تعلّقاتها؟ هذه الحالة التي شعر بها هي حالة الخروج من التعلّقات، حالة إزالة تلك المنافذ المرتبطة بحبال متينة بالتعلّقات والدنيا والكثرات، وقد أراد الإمام بأنواره القاهرة أن يوجّه الضربات إلى هذه المنافذ والحبال ويقطعها. فحتى لو متّ، فليكن! فأيّ سعادة أعظم من أن يموت الإنسان في مثل هذه الحالة ويفنى في إمام زمانه؟ أيّ سعادة أعظم من أن يأتي الإمام بتصرّفه الولائي ويخرجنا من أنفسنا؟ فالأمر الذي يبحث عنه الإنسان في كلّ الدنيا ويسعى خلفه قد أقبل إليه بنفسه، أتهرب منه وتقول: «لا، اتركني!»؟ فيقول الإمام: حسنًا.
- مناقب آل أبي طالب ج٤ ص ٢٤٥: مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْكَشِّيِ قَالَ عَمَّارٌ السَّابَاطِيُّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) جُعِلْتُ فِدَاكَ أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي بِاسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَعْظَمِ. فَقَالَ لِي «إِنَّكَ لَا تَقْوَى عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ قَالَ فَمَكَانَكَ إِذاً»، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ هُنَيْهَةً ثُمَّ صَاحَ بِي ادْخُلْ فَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي «مَا ذَلِكَ»؟ فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي بِهِ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَنَظَرْتُ إِلَى الْبَيْتِ يَدُورُ بِي وَ أَخَذَنِي أَمْرٌ عَظِيمٌ كِدْتُ أَهْلِكُ فَصِحْتُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ حَسْبِي لَا أُرِيدُ ذَا.
