
الأسلوب الأمثل لدعاء الله تعالى
كيف ندعو الله تعالى؟ هل ندعوه بحال المُطالب أم المحتاج؟
ما هو الشرط الأساس للتوجه إلى الله؟ كيف يكون الرياء في الصلاة سببًا لردّها؟ ما هي قصة البرامكة التي تُظهر تقلّب الدهر؟ ولماذا كانت نهاية شاه إيران عبرةً للمعتبرين؟ وما هو الفرق بين من يدخل حرم الإمام كالغريب ومن يدخله كالأهل؟ وكيف حذّر الإمام السجاد عليه السلام من الشعور بالاستحقاق في الدعاء؟ تجيبك هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في تتمّة شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة وغيرها، وتبيّن لنا الأدب الصحيح في مخاطبة الله تعالى.
الأسلوب الأمثل لدعاء الله تعالى
16نبتليهم بمشاغل الدنيا، ونفتح لهم طريقًا من هنا ونغلق آخر من هناك، فينشغلون كلّيًا بهذه الأمور، وهم يهبطون ويهبطون، حتّى يصلوا إلى حيث ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾۱. فيختم الله عليها وتنتهي القضيّة. وحينئذ، لو جاء النبيّ لسخروا منه، ولو جاء إمام الزمان لما قبلوه. لدينا في الروايات أنّ الكثير من الذين يُخالفون الإمام [المهدي] هم من العلماء الذين يتحدّثون عنه في الدنيا، هؤلاء سيأتون ويعارضونه .ولمحيي الدين عبارةٌ في علامات الظهور وأوصاف الإمام يقول فيها: «وَلَوْلَا بِيَدِهِ السَّيْفُ، لَأَفْتَى الفُقَهَاءُ بِقَتْلِهِ».٢ وبعضهم يفسّرها بأنّ المقصود هم فقهاء أهل السنّة. ألم يُفتِ شريح القاضي بقتل الإمام الحسين عليه السلام؟٣ مع أنّه لم يكُن في البداية بهذا النحو، بل أصبح لاحقًا هكذا! تسافل وتسافل، ودخل في جهاز معاوية. في زمن أمير المؤمنين عليه السلام، لم يُقبل به، بل كان [تولّيه للقضاء] في زمن عمر، وأراد أمير المؤمنين عزله فاعترض الناس، فقال الإمام: حسنًا، فليبقَ!
وفي جهاز معاوية أيضًا، كان يأكل من خزينة الدولة، وخزينة معاوية، وهذه الأمور تؤثّر. تسافل وتسافل، حتّى جاءت قضيّة الإمام الحسين عليه السلام، فهزّته قليلاً؛ إذ كان لا يزال فيه بقيّة شيء، وإلّا لكان قد وافق مباشرةً عندما طلب منه ابن زياد [الحكم بقتل الإمام الحسين]، لكنّه قال: «يجب أن أذهب لأفكّر». لقد بقيت فيه ذرّة، ولكن عمله كان سيّئًا جدًّا، وجاء الشيطان وخدعه وانتهى أمره. هذا هو ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ببطء ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. مسألة الاستدراج هي أن يتسافل الإنسان وهو لا يشعر أنّه يتسافل، وهنا يكمن الخطر. وإلّا لو شعر، لسعى إلى إيجاد حلّ. الشخص الذي يُخدّر، لو قطّعوه إربًا لما شعر، وأمّا الشخص الحيّ، فبمجرّد أن تطعنه سكين يقول: ماذا حدث؟ لماذا تطعنني؟ إنّه يتألّم. هذا يسقط في حالة غيبوبة، لذلك يقول الإمام: «مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لِاسْتِمَاعِكَ مِنِّي»، أنا لا أستحقّ أن تستمع لي، أمّا أنّك تأتي وتتلطّف، فتلك مسألةٌ أخرى.
أسئلة للمستقبل: ما هو الطلب وما هي الحاجة؟
حسنًا، تتبادر إلى الذهن هنا بعض الأمور. أوّلاً، ما هو الطلب؟ يقول الإمام: «وَقَدْ قَصَدْتُكَ بِطَلِبَتِي»، فما معنى «الطلب» هنا؟ «وَتَوَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِحَاجَتِي»، ما الذي يقصده الإمام بـ «الحاجة» هنا؟
- سورة البقرة (٢) الآية ۷.
- يقول الشیخ العارف الکامل محییالدّین بن عربی في کتاب الفتوحات المکّیة، الباب ٣٦٦ :
«... ولَوْلا أنَّ السَّیفَ بِیدِهِ لافْتَی الْفُقَهآءُ بِقَتْلِهِ، وَلَکِنَّ اللهَ یظْهِرُهُ بِالسَّیفِ والْکَرَمِ؛ فَیطْمَعونَ وَیخافونَ. وَیقْبَلونَ حُکْمَهُ مِن غیرِ إیمانٍ وَیُضْمِرونَ خِلافَهُ وَیعْتَقِدونَ فیهِ إذا حَکَمَ فیهِمْ بِغَیرِ مَذْهَبِ أئِمَّتِهِمْ أنَّهُ عَلَی ضَلالٍ فی ذلِکَ؛ لِانَّهُمْ یعْتَقِدونَ أنَّ أهْلَ الاجْتِهادِ وَزَمانَهُ قد انْقَطَعَ وما بَقیَ مُجْتَهِدٌ فی الْعالَمِ؛ وأنَّ اللهَ لا یوجِدُ بَعْدَ أئِمَّتِهِمْ أحَدًا لَهُ دَرَجَةُ الاجْتِهادِ». وأورد المرحوم الشهيد القاضي نور الله التستريّ عين هذه العبارة في «مجالس المؤمنين» ج ٢، ص ٢۸۱، المجلس السادس، الطبعة الحجريّة في ترجمة محيي الدين. راجع: آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، الروح المجرّد، ص ٣۱٩ ـ ٣٢۰. - جاء في كتاب ترجمة وشرح نهج البلاغة لفیض الإسلام (فارسي)، ج ٥، ص ۸٣۷:
كان شُريح رجلاً أمردَ لا شعر في وجهه، وقد نصَّبه عمر بن الخطاب قاضيًا على الكوفة، وكان في تلك البلاد مشغولاً بالقضاء والحكم الشرعيّ. أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يعزله، فقال له أهل الكوفة: «لا تعزله؛ لأنه مُعيَّن من قِبل عمر، ونحن بايعناك على ألّا تُغيّر ما سنّه أبو بكر وعمر». وعندما تولّى المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ منصب الإمارة والحكم، أخرجه من الكوفة وأرسله إلى قريةٍ كان يقطنها اليهود. ولمّا أصبح الحجّاج أميرًا على الكوفة، أعاده إليها. وعلى الرغم من أنه كان شيخًا مسنًّا، أمره أن يستمرّ في القضاء. وقد طلب شريح الإعفاء من هذا المنصب بسبب الذلّ الذي رآه من المختار، فوافق الحجاج. وخلاصة القول: كان قاضيًا لمدّة خمسة وسبعين عامًا، وبقي بعيدًا عن القضاء في السنتين الأخيرتين من عمره فقط، وتوفّي عن عمر يناهز مائة وعشرين سنة.
