
رجاء الله أساس القبول وحقيقة التقدير
لماذا لم يمنح الأئمّة عليهم السلام التكنولوجيا الحديثة لأصحابهم؟
ما معنى رجاء الله؟ وهل إنجازات الكفّار التكنولوجيّة مقبولة عند الله مع أنّهم لا يرجونه بها؟ وما هو سر عدم كشف الأئمة عليهم السلام لأسرار التكنولوجيا في زمانهم؟ كيف يستفيد العالم المدّعي للتحضّر من التكنولوجيا؟ ولماذا يعتبر البعض أن إنجلترا أخطر من أمريكا؟ وهل تصلح الشيوعيّة حليفًا للمسلمين لمحاربة الاستعمار الغربي؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة العلامة آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهراني قدس سره عن هذه الأسئلة وغيرها، مبيّنة حقيقة الرجاء كشرط أساسي لقبول العمل الصالح.
رجاء الله أساس القبول وحقيقة التقدير
4المسألةُ المهمّةُ الجديرةُ بالاهتمامِ هنا، هي أنّ رفاهيّةَ الحياةِ وراحةَ الإنسانِ تكونُ مفيدةً فقط إذا استُخدمت في سبيلِ الوصولِ إلى الغاياتِ الرفيعة وأهدافِ الكمال. فالطائرةُ جيّدةٌ جدًّا، وبدلاً من أن يقطعَ الإنسانُ المسافةَ بين طهرانَ ومشهدَ في شهرٍ واحدٍ بالعربةِ والهودجِ كما في السابق، يقطعُها الآن في ساعةٍ واحدة. ومن الطبيعيّ أنّ الإنسانَ بدلاً من أن يقضيَ هذا الشهرَ في الصحاري، يقضيهِ في مشهدَ بجوارِ حرمِ الإمامِ الرضا عليه السلام. لا شكَّ في هذهِ الخصوصيّةِ وفي رجحانِ هذهِ المسألة. ولكنّ الكلامَ هو أنّ مسألةَ الاختراعِ والاكتشافِ هي عبارةٌ عن وسائطَ ووسائلَ تُوضعُ تحتَ تصرّفِ الإنسان للوصولِ إلى المقاصد. والمقاصدُ هي الأهدافُ المنبعثةُ من النفس، وعلينا أن نرى أيُّ نفسٍ هي هذه؟
إن كانت هذه النفسُ عقلانيّةً، وأعمالُها وملكاتُها قائمةً على أُسسٍ عقليّة، فمن الطبيعيّ أن تُستخدمَ هذه الوسائطُ والوسائلُ في إطارِ الأُسسِ العقليّةِ والمنطقيّة. أمّا إن لم تكنْ هذه النفسُ عقلانيّة، بل كانت نفسًا حيوانيّة، نفسًا شهوانيّة، نفسًا خبيثة، فمن الطبيعيّ أنّها ستستخدمُ هذه الوسائلَ والوسائطَ في مقاصدِها المشؤومةِ والحيوانيّة.
لا شكَّ أنّ نفسَ هذهِ الاختراعات تحقّق الرفاهية وتُسرّعُ الوصولَ إلى المقاصد، ولكنّها بمثابةِ سيفٍ ذي حدّين، قد تقطعُ بحدّهِ عنقَ منافق، وبحدّهِ الآخرِ عنقَ مؤمن، وهذه هي المسألةُ التي يجبُ الالتفاتُ إليها. فالمضادُ الحيويّ (Antibiotic) هو دواءٌ يُستخدمُ للقضاءِ على الميكروباتِ والحدِّ من تغذيتها، وبالتالي القضاءِ عليها. ولكنّ الجميعَ يقولون إنّ المضادَّ الحيويَّ بمثابةِ سكّينٍ ذي حدّين؛ فهو يقضي على الميكروباتِ وفي الوقتِ نفسهِ يقضي على الكائناتِ المفيدةِ في الدم. لذا يقولون تناولوا الفيتاميناتِ مع المضادِّ الحيويِّ لتعويضِ النقص. هذا الاختراعُ والاكتشافُ الذي حدثَ الآن، هو في نفسه أمر محمود، ولكن في أيِّ مجالٍ وتحتَ تصرّفِ أيِّ فردٍ يمكنُ أن يقع؟ الاختراعُ مثلُ السكّين، تارةً أعطيكَ السكّينَ فتقشّرُ بها تفّاحة، وتارةً أُخرى تُعطى هذه السكّينُ لمجنون، فيعتدي بها على الناسِ ويقتلُهم!
فماذا يجبُ أن نفعلَ إذن؟ هنا يجبُ أن نرى هل يرجحُ الجانبُ العقلانيُّ للمسألةِ أم الجانبُ الحيوانيُّ والشهوانيُّ؟ للأسف، البشرُ اليومَ أسرى في أحضانِ النفسانيّاتِ والأهواء، ويستخدمونَ هذا الاختراعَ وهذا الاكتشافَ في مقاصدَ حيوانيّة. يقولون إنّهُ عندما أُقيمَ احتفالٌ لأينشتاين في أمريكا، جاءَ وتحدّثَ، فقالَ جملةً واحدةً ولم يزدْ: «لم أكنْ أعلمُ أنّ اكتشافي هذا ـ وهو قاعدةُ النسبيّةِ وما تلاها من انشطارِ النواةِ الذي نتجت عنهُ القنبلةُ الذريّة ـ سيسبّبُ يومًا ما موتَ أبناءِ جنسي من البشر». أي أنّهُ جاءَ وقالَ هذهِ المسألةَ بكاملِ الخجل. والآن انظروا كيف وقعت هذهِ المسألةُ نفسُها في أيدي النفوسِ الشيطانيّةِ والمظلمةِ والنفوسِ التي تتبعُ الأهواء. فلنفكّرْ في هذهِ القضيّة، هل المقدارُ الذي يُستخدمُ من ذلك للأغراضِ السلميّةِ يُقارنُ بما يُستخدمُ في الأغراضِ غيرِ السلميّةِ وغيرِ المناسبة؟!
