
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
كيف ننظر إلى جمال عاشوراء لا إلى قبحها؟
كيف يمكن لشهادة الإمام الحسين عليه السلام أن تكون عين المصلحة والجمال؟ وما هو الفرق الجوهريّ بين الفعل ذاته والنيّة الكامنة وراءه؟ وكيف ينبغي أن ندعو الله ونحن نسلّم الأمر لمشيئته؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ قيمة الأعمال تكمن في صفاء النيّات لا في ظواهرها.
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
7حسنًا، تفضّل الآن واذهب إلى نقدك. مزّقَ الصكَّ ورماه أمامه، وقال له: «اذهب الآن حيثما شئت». فجُنّ ذلك الرجل، وفقد عقله، حيث كان يذهب إلى بيته ثمّ إلى الحمّام، ثمّ يخرج من الحمّام ويعود إلى بيته، ثمّ يخرج من بيته ويعود إلى الحمّام، يفعل ذلك عدّة مرّات في اليوم.. لقد جُنّ! وبقي على هذا الحال إلى زمن المختار حينما ثار، فأرسل من قتله في منزله.
الوجهان المتباينان لكربلاء
هذه النيّةُ الباطلةُ جعلت واقعةَ كربلاء تكتسبُ صورتين ووجهين: وجهٌ قبيحٌ، بشعٌ، كريه، فاجعٌ ومؤلم. لماذا؟ بسبب هذه النيّاتِ الخبيثة التي أتت، فوضعت الرحمنَ موضعَ الشيطان، والشيطانَ موضعَ الرحمن، وجعلت يزيد خليفةً، وأزاحت الخليفةَ المستحقَّ والمحقَّ الذي هو سيّدُ الشهداء عليه السلام.
كان يزيدُ رجلاً مربّيًا للكلاب ومقامرًا. كان يزيدُ مقامرًا ولاعبَ شطرنج. قال الإمامُ السجّاد عليه السلام: «لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ نَظَرَ إِلَى الشِّطْرَنْجِ وَلَمْ يَلْعَنْ يَزِيدَ»۱. نعم، يبدو أنّ الأمر قد اختلف الآن!! كان مربّيًا للقرود، وكان يجلسُ وبجانبه قرد. بالله عليكم، انظروا من الذي ذهب ومن الذي حلّ محلّه؟ ذاك نبيُّ اللهِ الذي كان يشيرُ إلى القمرِ فينشقُّ نصفين٢، وشهدت بحقّه الحصى والأحجار٣، وغير ذلك! ذهب هو، وجلس مكانه من يلعبُ مع قرد! حقًّا، إنّنا لنتعجّب، إنّه لأمرٌ عجيبٌ حقًّا، حفظَ اللهُ الإنسان! فهؤلاء العُجول الذين كانوا بجانب يزيد، أكانوا يسمّون أنفسهم مسلمين أم لا؟ حسنًا، اذهب وقل صراحةً: «يا سيّدي، ليس لدينا دين»، فلماذا تقولُ: «نحن مسلمون»؟! لماذا تقول: «نحن نصلّي ونصوم»؟! ماذا؟! كلُّ هذا الصومِ والصلاةِ كان للتغطيةِ على النفسِ والشعورِ بالسكينةِ الكاذبة. هل تلتفتون لما أريدُ قوله أم لا؟ إنّه شعورٌ بالطمأنينة الكاذبةِ في مواجهةِ الحقّ. فهؤلاء أيضًا لديهم ضمير، ويرون أنّ هذا يزيد، ويزيدُ يشربُ الخمرَ كالماء، كأنّه شرابُ السكنجبين، فيشربه باستمرار.
ـ لا أعرفُ ما طعمه؟ هل لدى أحدٍ من الرفقاء علمٌ بذلك؟
ـ إنّه مُرّ.
ـ ماذا يا سيّدي؟ نعم؟
ـ يقولون إنّه مُرّ.
ـ حسنًا، لعلّكم لم تحصلوا على النوعِ الحلو منه!!
ـ يقولون إنّهم يأكلون شيئًا حلوًا بعده.
- عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ٢، ص ٢٢ و ٢٣:
عن الفضل بن شاذان، قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «لمّا حُمل رأس الحسين (عليه السلام) إلى الشام، أمر يزيد (لعنه الله) فوضع ونُصبت عليه مائدة، فأقبل هو وأصحابه يأكلون ويشربون الفقّاع، فلما فرغوا أمر بالرأس فوُضع في طست تحت سريره، وبُسط عليه رقعة الشطرنج، وجلس يزيد (عليه اللعنة) يلعب بالشطرنج ويذكر الحسين وأباه وجده (صلوات الله عليهم) ويستهزئ بذكرهم، فمتى قمر صاحبه تناول الفقّاع فشربه ثلاث مرات، ثمّ صبّ فضلته ممّا يلي الطست من الأرض. فمن كان من شيعتنا فليتورّع عن شرب الفقّاع واللعب بالشطرنج، ومن نظر إلى الفقّاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين (عليه السلام) وليلعن يزيد وآل زياد، يمحو الله عز وجل بذلك ذنوبه ولو كانت بعدد النجوم». - بحار الأنوار، العلاّمة المجلسيّ، ج ١٧، ص ٣٥٤:
الصدوق بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أنّه سئل عن قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشقّ القمر﴾ قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله حتّى صار بنصفين، ونظر إليه الناس وأعرض أكثرهم، فأنزل الله تعالى جل ذكره ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمرّ﴾ فقال المشركون: سحر القمر، سحر القمر. - الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي، ج ١، ص ٤٧:
ما رُوي عن أنس أنّه صلى الله عليه وآله أخذ كفًّا من الحصى، فسبّحن في يده، ثمّ صبّهن في يد عليّ، فسبّحن في يده حتّى سمعنا التسبيح في أيديهما، ثمّ صبّهن في أيدينا فما سبّحت في أيدينا.
- عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ٢، ص ٢٢ و ٢٣:
