
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
كيف ننظر إلى جمال عاشوراء لا إلى قبحها؟
كيف يمكن لشهادة الإمام الحسين عليه السلام أن تكون عين المصلحة والجمال؟ وما هو الفرق الجوهريّ بين الفعل ذاته والنيّة الكامنة وراءه؟ وكيف ينبغي أن ندعو الله ونحن نسلّم الأمر لمشيئته؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ قيمة الأعمال تكمن في صفاء النيّات لا في ظواهرها.
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
6كان عمرُ بنُ سعد قد أخذ صكًّا بأنّه سيُعطى مُلك الريّ ـ أي طهران الحالية، مع أنّ طهران كانت قريةً آنذاك، وكانت الريّ الحالية واسعة جدًّا ـ إذا قتلَ الإمامَ الحسين عليه السلام. ويُنقل أنّ طولَ وعرضَ مدينةِ الريّ هذه كان يبلغ آنذاك فرسخين في فرسخين على الأقلّ، أو أكثر. فلمّا جاء إلى ابنِ زياد وقال له: «عليك الوفاءُ بالعهد، لقد قتلتُ ابنَ بنتِ النبيّ، فأعطني مُلكَ الريّ»، قال له ابنُ زياد: «هل أنا أمرتُك بذلك؟ من قال؟ متى قلتُ لك؟». قال: «لقد أعطيتني صكًّا بخطّ يدك». قال: «أعطني هذا الصكّ لأرى». فأخذه ومزّقه ورماه جانبًا وقال: «من أمرك بذلك؟». هذا كلّ ما في الأمر! مزّقه أمام عينيه.. هل التفتّم؟!
حسنًا أيّها الأحمق، إنّ الإمامَ الحسين عليه السلام يرى هذا التمزيق، ويرى أنّك ستأتي وتُريه هذا الصكّ، فيمزّقه هو ويرميه في سلّة المهملات؛ لأنّ تمزيقه ليس بالأمر الصعب. أو حتّى لو لم يمزّقه، لقال له: «لن أعطيك، فما عساك أن تفعل الآن؟». الإمامُ يرى ذلك.
قصّة عمر بن سعد: كيف أضاع النقد بالنسيئة!
والعجيبُ هنا أنّ عمر بن سعد قال للإمامِ الحسين عليه السلام: «لا أتركُ النقدَ وآخذُ النسيئة»، حيث قال له الإمام عليه السلام: «تعالَ، أنا أضمنُ لك الجنّة». فيأتي هذا الجاهلُ ويقول: «إنّ جنّتك هذه نسيئة». فما يقوله الإمامُ الحسين عليه السلام نسيئة، وأمّا ما يقوله ابنُ زياد ـ الذي كان في حالة سُكرٍ، ولا يُعلَم أكان مخمورًا أم نائمًا أم مستيقظًا أم واعيًا ـ بأنّه سيعطيه مُلكَ الريّ يصبحُ هو النقد!
كلُّ معاييرنا، أيّها السادة، وبدون مجاملة، هي على هذا النحو. لقد غيّرنا مواضعَ النقدِ والنسيئة، وبدّلنا أماكنَ الحالِ والمستقبل. يقولُ الإمامُ الحسين عليه السلام: «أنا الآن أعطيك الجنّة»، فيضعها في كفّ يدك الآن، ويُعطيك إيّاها في هذه اللحظة، من دون أن يتأخّر ثانيةً واحدة. فعندما يقول: «الجنّة لك»، يعني أنّ الأمر قد تمّ وانتهى! ولكن، لأنّ الشقاءَ لا بدّ أن يصيبَ شخصًا ما، والخسرانَ لا بدّ أن يعرضَ لشخصٍ ما، فإنّه يأتي ويفترضُ كلامَ الإمامِ الحسين عليه السلام نسيئة، وكلامَ ابنِ زياد، شاربِ الخمر والزاني والمقامر ومربّي الكلاب، ماذا يفعل به؟ يعتبره نقدًا!
