
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
كيف ننظر إلى جمال عاشوراء لا إلى قبحها؟
كيف يمكن لشهادة الإمام الحسين عليه السلام أن تكون عين المصلحة والجمال؟ وما هو الفرق الجوهريّ بين الفعل ذاته والنيّة الكامنة وراءه؟ وكيف ينبغي أن ندعو الله ونحن نسلّم الأمر لمشيئته؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ قيمة الأعمال تكمن في صفاء النيّات لا في ظواهرها.
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
4فما هي حقيقة قتلِ النفس؟ هل قتلُ النفسِ مكروهٌ أم لا؟ القتل، أن يُقتَل، أن يُقتَل مؤمنٌ، هل قَتْلُ مؤمنٍ بصفته مؤمنًا أمرٌ سيّئ؟ أقصدُ نفسَ القتلِ بحدّ ذاته. من كان لدينا في هذه الدنيا أفضلُ من الإمامِ الحسين عليه السلام؟ لم يكن هناك من هو أفضلُ من الإمامِ الحسين عليه السلام، أليس كذلك؟ كان إمامًا، وابنَ النبيّ صلّى الله عليه وآله، وإمامًا، وله كلّ تلك المقامات؛ فهل كان نفسُ مقتلِ الإمامِ الحسين عليه السلام أمرًا سيّئًا؟ لو كان سيّئًا، فلماذا قدّرهُ الله؟ لماذا قدّرهُ الله؟ يعني نفسُ القتل، لماذا كان يجبُ أن يُقتَل الإمامُ الحسين عليه السلام؟ هذا ظلمٌ. فقد يقولُ الإمامُ الحسين عليه السلام: «أريدُ أن أبقى حيًّا، أريدُ أن أبقى حيًّا لأصلّي وأدعو وتزداد مراتبي ودرجاتي». وكما نقول نحن: ندعو لنغرسَ شجرةً في الجنّة، ونقرأ سورة الإخلاص مرّةً فنغرس شجرة. هناك بعض الأعمال التي يقال إنّها غرسُ أشجار، وبعضها بناءُ قصور، وبعضها جنّاتٌ تجري... خلاصة القول، هناك الكثيرُ من الأعمال التي يُمكن للإنسان أن يقوم بها ويُعمّر بها آخرته. أجل، «العاقلُ تكفيه الإشارة»، فالعملُ كثير. وطبعًا، هناك بعض الأعمال التي لا ينبغي لنا أن نقوم بها فنُخرّبَ ما بنيناه. كأن نضعَ قنبلةً أو ديناميتًا فينهدمَ البناء، هل تلتفتون؟ أو أن تأتي صاعقةٌ فتحرقَ كلّ الأشجار. بغيبةٍ واحدةٍ منّا تحترقُ كلُّ الأشجار، وبنيّةٍ غيرِ لائقةٍ تجاه أخٍ مؤمنٍ ينهارُ البناء. كلّ هذه الأمورِ موجودةٌ، وقد أُثبتت هذه المسألةُ نقلاً وشهودًا.
قد يقولُ الإمامُ الحسين عليه السلام: «أريدُ أن أبقى في هذه الدنيا كالبقيّة، ما مشكلتي؟». ألم يعش إمامُ الزمانِ عليه السلام الآن أكثر من ألف عام؟ لم يقتل أحدٌ إمامَ الزمان عليه السلام. فيقولُ الإمامُ الحسين عليه السلام: «أنا أيضًا أريدُ أن أبقى، وأريدُ أن أعيش ألفَ عام، أو ألفي عام، وأقولُ لا إله إلا الله باستمرار، وأعبدُ اللهَ دائمًا، فتزدادُ مراتبي بطبيعة الحال».
فهل كان نفسُ مقتلِ سيّد الشهداء عليه السلام سيّئًا؟ هل كان هو بحدّ ذاته سيّئًا؟ كلاّ! من يقولُ إنّه كان سيّئًا؟! لو لم يكن مقتلُ سيّد الشهداء عليه السلام في مصلحته، فلماذا حدث؟ لماذا كان يجبُ أن يحدث؟ لقد نالَ سيّدُ الشهداء عليه السلام بهذا المقتلِ مراتبَ لم يكن لينالَها لو لم يُقتل. وهذا عينُ العبارة التي قالها عليه السلام حين رأى رسولَ الله صلّى الله عليه وآله في المنام: «إِنَّ لَكَ عِنْدَ اَللهِ دَرَجَةً لَنْ تَنَالَهَا إِلاّ بِالشَّهَادَةِ»۱. لديكَ درجةٌ عند الله يا بُنيّ. يأتي النبيُّ صلّى الله عليه وآله في منام الإمامِ ويقول: «يا بنيّ! لديك درجةٌ عند الله لن تبلغَها إلاّ بالشهادة».
- بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٢۸:
«حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك، مذبوحًا بأرض كرب وبلاء، من عصابة من أم!تي، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إنّ أباك وأمّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة».
- بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٢۸:
