
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
كيف ننظر إلى جمال عاشوراء لا إلى قبحها؟
كيف يمكن لشهادة الإمام الحسين عليه السلام أن تكون عين المصلحة والجمال؟ وما هو الفرق الجوهريّ بين الفعل ذاته والنيّة الكامنة وراءه؟ وكيف ينبغي أن ندعو الله ونحن نسلّم الأمر لمشيئته؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ قيمة الأعمال تكمن في صفاء النيّات لا في ظواهرها.
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
2أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
وصلَّى اللهُ على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسمِ محمدٍ
وعلى آلهِ الطيّبينَ الطاهرينَ
واللعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ
ما هو الرجاء المذموم؟
«وَأعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِينَ بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ، وَلِلْمَلْهُوفِينَ بِمَرْصَدِ إِغَاثَةٍ». إلهي، إنّي أعلمُ أنّ الذين يرجونكَ لا يعودونَ خائبين، وأنّ رجاءَهم يتحقّق، وأنّكَ خيرُ ملجأٍ ومُغيثٍ للذين استولى عليهم اليأسُ وعَرَضَ لوجودِهم الانكسار.
لقد أشرت في الليالي الماضية إلى أنّ للرجاء والأمل في قضاء الحوائج صورًا مختلفة. فهناك الرجاء المتعلّق بأمور الدنيا؛ وليس المقصودُ بأمور الدنيا مجرّدَ جمعِ الأموالِ والتمتّعِ بمظاهرِ العالمِ الظاهريّ، بل المقصودُ هو كلُّ طلبٍ وكلُّ أملٍ يُرادُ له أن يتحقّق على خلاف رضا الله، وعلى خلاف سنّته السنيّة؛ كأن يطلبَ الإنسانُ من اللهِ أن يقضيَ على شخصٍ ما، أو أن يطلبَ من اللهِ أن يُنزلَ البلاءَ والمرضَ بشخصٍ ما، أو أن يطلبَ من اللهِ ألاّ يوفّقَ شخصًا ما، أو أن يطلبَ من اللهِ أن يفشلَ أفرادٌ في بعض المراتب.. هذه كلّها أدعيةٌ وآمالٌ ذاتُ صبغةٍ شيطانيّةٍ ونفسانيّة.
وبطبيعة الحال، فإنّ الله تعالى ـ الذي لا تربطه بالناس علاقةُ قرابةٍ شخصيّة، وعنايتُه بمخلوقاته هي عنايةٌ علّية، وعنايةٌ تربويّةٌ، وهي عناية الخالق بجميع مخلوقاته ـ لا يمكنه أن يحقّق هذه الآمال، ولا يمكنُ أن يرتّبَ أثرًا على هذه الأدعية؛ لأنّه تعالى حكيمٌ، وهذا الرجاءُ والأملُ رجاءٌ غيرُ حكيم، والفعلُ والعملُ غيرُ الحكيمِ لا يصدرُ عن الحكيم؛ هذا من جهة.
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ هذا الأملَ وهذا الرجاءَ، لمّا كان يدورُ على خلاف مصالح الإنسان، ومنبعثًا من هواه وخصائصه النفسانيّة، فإنّ له صبغة الكدورة، وتلك الصبغةُ المكدّرةُ لا يمكنُ أن تكونَ ممضاةً من قبل الله تعالى.
الفرق بين "الفعل" و"النيّة"
إنّ نفسَ العملِ موضوعٌ، ورغبة الإنسانِ في هذا العملِ موضوعٌ آخر. فأن ينجحَ الإنسانُ في قضيّةٍ أو يفشل، هذه مسألة. ففي النهاية، حينما يتبارى شخصانِ في أيّة واقعة، فإنّ أحدَهما سيفوزُ والآخرُ سينهزم، وهذه مسألةٌ بديهيّة. وعندما يُقدم الإنسانُ على أمرٍ ما، فإمّا أن يوفّقَ فيه أو لا يوفّق، وهذا أمرٌ بديهيٌّ. وحينما يُقدمُ الإنسانُ على مهنةٍ ما، فإمّا أن ينجحَ فيها أو لا ينجح، وهذا أمرٌ بديهيٌّ. أي إنّ كلا الجانبينِ قد أُدرجا في نظام الخلق: النجاحُ في مهنةٍ ما وعدمُ النجاح فيها. فالأمرُ سهلٌ جدًّا، وليست هذه مسألةً تستدعي السؤال. فالإنسانُ يريدُ أن يأتي ليشتري شيئًا من السوق، فإمّا أن يجدهُ في السوق أو لا يجده، وهذه كلّها أمورٌ بديهيّةٌ ولا مجالَ للكلام فيها.
