
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
كيف ننظر إلى جمال عاشوراء لا إلى قبحها؟
كيف يمكن لشهادة الإمام الحسين عليه السلام أن تكون عين المصلحة والجمال؟ وما هو الفرق الجوهريّ بين الفعل ذاته والنيّة الكامنة وراءه؟ وكيف ينبغي أن ندعو الله ونحن نسلّم الأمر لمشيئته؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ قيمة الأعمال تكمن في صفاء النيّات لا في ظواهرها.
قيمة الأعمال في صفاء النيّات لا في ظواهرها
11كيفيّة التعامل مع كلّ من جانبي التبريّ والتولّي
أنا لا أريدُ أن أقولَ إنّه لا ينبغي للإنسانِ أن يكونَ له جانبُ التبرّي. فمن فروعِ ومبادئ مذهبنا الشيعيّ هو جانبُ التبرّي، وبالتبرّي يستطيعُ الإنسانُ أن يجدَ الطريق. فالشيعةُ لديهم البُعدان معًا: بُعدُ التولّي، أي الارتباط، وبُعد التبرّي، أي بُعد دفع مخالفي أهل البيت عليهم السلام وإبعادهم. ويجبُ أن يوجدَ كلا البُعدين في الإنسان، ولكن بُعد التبرّي يجبُ أن يكونَ باطنيًّا، ولا ينبغي للنفسِ أن تلتفتَ إليه بعد ذلك. فالتبرّي موجود، لكن أن يأتي الإنسانُ ويقضي ساعاته الواحدة تلو الأخرى ليرى ماذا فعلَ هذا؟ وماذا قال ذاك؟ وماذا أجاب هذا؟ وماذا قال عمرُ بنُ سعد؟ إنّ السؤالَ والجوابَ باقيانِ إلى يوم القيامة. تعالَ وانظرْ ماذا قال الإمامُ الحسين عليه السلام؟ لننظرْ إلى أجوبةِ سيّد الشهداء عليه السلام، ولننظرْ إلى أسئلةِ وأجوبةِ حضرةِ أبي الفضل عليه السلام، ولننظرْ إلى الكلامِ الذي قالوه والمواضيعِ التي طرحوها. هل هذا واضح؟! إذا أراد الإنسانُ أن يقوّي هذا البُعد في نفسه، فإنّ نفعهُ سيكونُ أكبر.
حسنًا، هذا ما يخصّ مسألةُ شهادةِ الإمامِ الحسين عليه السلام. إذن، شهادةُ الإمامِ الحسين عليه السلام وقتلُه في حدّ ذاتهما لا إشكالَ فيهما، بل هما أمرانِ جيّدانِ جدًّا ورائعانِ جدًّا، وتترتّبُ عليهما مسائلُ عظيمة. الشيءُ الفاسدُ هنا هو النيّاتُ التي أوجدت هذه القضيّة، تلك النيّاتُ فاسدة. تلك النيّاتُ التي دفعت ثلاثينَ ألفَ رجلٍ للنهوضِ ومحاربةِ ابنِ رسولِ الله صلّى الله عليه وآله، تلك هي الفاسدة. كلُّ تلك النيّاتِ شيطانيّة، ولولا هذه النيّات، لقال الإمامُ الحسين عليه السلام: «أنا مستعدٌّ أن تقعَ لي هذه القضيّةُ ولو سقطَ حجرٌ من السماء على رأسي». لو لم تكن هذه النيّاتُ موجودة، لقال مثلاً: «كنتُ مستعدًّا أن أسقطَ من على صهوةِ جوادي فأموت، أو أن يصيبني حجر...». إذا كان لا بدّ من الشهادة، فكنتُ مستعدًّا أن تأتي المصائب بطريقةٍ أخرى وبأيّةِ كيفيّةٍ كانت. ففي النهاية، هذا مقامٌ يمنحهُ اللهُ للإمامِ الحسين عليه السلام بواسطة الشهادة: «إِنَّ لَكَ عِنْدَ اَللهِ دَرَجَةً لَنْ تَنَالَهَا إِلاّ بِالشَّهَادَةِ». حسنًا، ما دامت هناك شهادة، وليست بهذه الكيفيّة، فلنفترض أنّ جميعَ الناسِ في زمن الإمامِ الحسين عليه السلام أصبحوا صالحين، فسيقول الإمامُ الحسين عليه السلام: «ماذا نفعلُ الآن لنُقتَل؟ ليأتِ أحدٌ ويفعلُ بنا كذا... ماذا نفعل؟ فهؤلاء كلّهم أناسٌ طيّبون». هل هذا واضح؟! ولكن لا؛ لأنّ هذه النيّةُ صالحةٌ وتلك النيّةُ فاسدة؛ وبسبب تلك النيّةِ الفاسدةِ، يصبحُ هذا العملُ مؤلمًا وموجعًا، وهذه الشهادةُ تصبحُ شهادةً موجعة. لماذا؟ بسبب هذه النيّات.
