
الإرادة الصادقة ومنطق الدائن في السلوك إلى الله
سراب المشاهدات الروحيّة: عندما تكون المكاشفات حجابًا عن الحقيقة
التعريف بالمحاضرة: كيف نميّز بين الرجاء الحقيقيّ والمطالبة التجارية من الله؟ ما هو سرّ ثبات أولياء الله؟ وهل يمكن أن تكون المكاشفات الروحية فخًّا للسالك؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها السيّد محمد محسن الطهراني في شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة المصيريّة في طريق السير والسلوك.
الإرادة الصادقة ومنطق الدائن في السلوك إلى الله
2أعوذُ باللهِ منَ الشَّيطانِ الرَّجيم
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
وصلَّى اللهُ على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسمِ محمّدٍ
وعلى آلهِ الطيّبينَ الطّاهرينَ
واللعنةُ على أعدائِهِم أجمعينَ إلى يومِ الدِّين
ما هي حقيقة الرجاء والإرادة؟
«وَأعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِي بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ، وَلِلْمَلْهُوفِينَ بِمَرْصَدِ إِغَاثَةٍ».
حقًّا، إنّي أعلمُ أنّ الذين يرجونك… «للراجي» أي: لمن كان راجيًا، والمقصود بالمرجوّ هنا أنت يا ربّ، وهذا واضحٌ من سياق العبارة. فمن يرجوك، فإنّك «بموضع إجابة» أي أنّك في مقام الإجابة، فلا تُخيِّبُ رجاءهم وأملهم.
أشرتُ سابقًا إلى أنَّ مسألة الرجاء حقيقةٌ نفسانيّة، وهذه الحقيقة، كغيرها من المسائل النفسانيّة مثل الإرادة والمشيئة والعزم، لها لوازم وتَبِعات تقتضيها؛ فلا يُمكن أن نمتلك إرادةً وعزمًا تجاه أمرٍ ما، ونكون في الوقت نفسه غير مبالين به؛ فهذان الأمران يتنافيان. ولا يُمكن أن تكون لدينا إرادة وعزمٌ على فعل شيء، ولكن لا نُولي أيَّ اهتمامٍ بمتابعته. ولا يمكن أن نمتلك العزم والإرادة للنجاح في امتحانات المدرسة، ولكن لا ندرس أبدًا، أليس كذلك؟ لا يُمكن ذلك، بل يجب أن ندرس. فالذي لديه إرادة وعزمٌ على أمرٍ ما، فإنّه يُتابعه، إلّا إذا لم يكن عازمًا عليه منذ البداية، فيكون لديه مجرّد ميل، فيقول: «لا بأس، إن حصل من تلقاء نفسه فبها ونعمت». وهذا، نظير الذي يقول: «يا كسول، لا تذهب إلى الظلّ، فالظلّ سيأتيك بنفسه»، حيث جلس أحدهم، فقيل له: «إنّ الشمس تُؤذيك»، فقال: «لا، فالشمس ستزول تدريجيًّا، وسيسقط ظلّ هذا الجدار عليّ، من دون أن أُكلّف نفسي عناء الذهاب». فهؤلاء ليست لديهم إرادة وعزم.
قصّة العزيمة التي رسّخت مسار الحياة
في أحد الأيّام بعد وفاة المرحوم العلاّمة، ذهبتُ لزيارة أحد أصدقائه الذي كان قد قدم إلى مشهد، وهو من العلماء المعروفين في طهران.. السيّد إبراهيم الكرمانشاهيّ الخسروشاهيّ، والذي ذُكر اسمه في كتاب «الروح المجرّد». فذهبت لزيارته برفقة أخي الأكبر على ما أظنّ، فنقل لنا قصّةً عن المرحوم العلاّمة الطهرانيّ كانت تُثير إعجابه الشديد.
قال: «عندما قدم والدكم السيّد محمد حسين إلى قمّ، كان طالبًا مُجدًّا، وكان منظّمًا جدًّا في أعماله ودرسه وانضباطه». وتابع قائلاً: «في أحد الأيّام، ذهبنا برفقته لحضور درسٍ في الأخلاق كان يُلقيه المرحوم الشيخ عبّاس الطهرانيّ»، حيث كان الشيخ رحمة الله تعالى عليه رجلاً عظيمًا وزاهدًا وعابدًا، ومن أصحاب الأحوال وأرباب القلوب والمكاشفات، وهو والد زوجة السيّد آية الله الخسروشاهيّ الموجود حاليًّا في طهران بعينه. قال: «ذهبت معه إلى درس الأخلاق الذي كان يعقده الشيخ عصر كلّ خميس، وكان يحضره نخبةٌ من الخواصّ. وبما أنّني كنت أتردّد على ذلك المجلس من قبل، فقد وافق بسببي على انضمام والدكم إليه، فذهبنا معًا».
