
الإرادة الصادقة ومنطق الدائن في السلوك إلى الله
سراب المشاهدات الروحيّة: عندما تكون المكاشفات حجابًا عن الحقيقة
التعريف بالمحاضرة: كيف نميّز بين الرجاء الحقيقيّ والمطالبة التجارية من الله؟ ما هو سرّ ثبات أولياء الله؟ وهل يمكن أن تكون المكاشفات الروحية فخًّا للسالك؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها السيّد محمد محسن الطهراني في شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة المصيريّة في طريق السير والسلوك.
الإرادة الصادقة ومنطق الدائن في السلوك إلى الله
14إنّ الله يكره أن يُقايضه عبدُه، فيقوم بعملٍ ما من أجل مقابل، فيقول: «بما أنّي فعلتُ هذا، فيجب أن تعطيني الجنّة! وإلّا، فسأحاسبك يوم القيامة! سآتي وأقف أمام الخلق جميعًا وأقول: أنا الذي قمتُ وصلّيتُ صلاة الليل، أنا الذي كنتُ أصلّي في أوّل الوقت، أنا الذي أنفقتُ المال وذهبتُ إلى مكّة، أليس كذلك؟! أنا الذي فعلتُ كذا وكذا». فورًا سيأتيه الجواب من الله: «ومن وفّقك للذهاب إلى مكّة؟ وكم من الناس كانوا يملكون المال، فذهبوا في أسفار اللهو واللعب، وقضوا أوقاتهم في مجالس الأنس والفسق، وأنت أتيتَ وصرفتَ مالك في المجيء إلى مكّة، فمن وفّقك؟». كم من الناس قضوا ليلهم حتّى الصباح في اللهو واللعب، وفي مجالس الأُنس والطرب، فمن وفّقك أنت لتقوم وتصلّي، وتحرم نفسك من النوم؟ من وفّقك؟ لو أنّي ألقيتُ حجاب الغفلة على عينيك وقلبك، فهل كنتَ ستقوم وتُصلّي؟
يجب علينا أن نبذل كلّ أعمالنا وأفعالنا ونيّاتنا للوصول إلى ذلك المطلوب، ولكن لا أن نفعل ذلك لنصبح دائنين نطالب الله بالمقابل إن لم يُعطنا؛ إذ هنا يكمن الخلل، أي أن نصلّي لنرى أثر الصلاة، ونحجّ لنرى أثر الحجّ، وبما أنّنا ذاهبون إلى كربلاء، فيجب على الإمام الحسين عليه السلام أن يأتي لاستقبالنا من مسافة عشرة فراسخ، ويذبح البقر والغنم تحت أقدامنا. وبما أنّنا نخطو خطوةً الآن، فيجب أن نشعر في المقابل أنّهم قبلونا واستقبلونا بالسلام والصلوات. هذا ليس جيّدًا، وهذا يصبح تجارة، والعبد لا يتاجر مع مولاه، أليس كذلك؟ العبد لا يُتاجر مع مولاه، فالعبد لا يملك شيئًا من نفسه.
سراب المشاهدات الروحيّة: عندما تكون الرؤى حجابًا
يجب على السالك أن يطلب من الله في اتّجاه واحد، ويقول: «اللهمّ أعطني، اللهمّ اشملني بلطفك، اللهمّ أعطني من رحمتك». وللوصول إلى هذا المطلوب، يجب أن يخطو كلّ خطوةٍ يعلم أنّها تُقرّبه، لا أن يقول: «بما أنّني خطوتُ هذه الخطوة، فيجب أن أرى ما بعدها! لقد خطونا خطوةً مهمّة!». أيّها المسكين، قد يضربك تعالى في نفس ذلك المكان بحجرٍ على قدمك، فتظلّ هذه القدم في الجبس لعامين، من دون أن تتمكّن من رفعها، فماذا تطلب من الله؟! قد يضع في طريق عملك وحياتك عقبتين، فتنشغل بهما لمدّة عشر سنواتٍ أو خمس، ثمّ نرى متى تعود! ما هذا الكلام؟ لا ينبغي أن نطلب من الله كالدائنين! أيّ دينٍ لنا عليه؟ هل بِعناه سلعةً سلفًا حتّى نُطالبه بثمنها؟ للوصول إلى ذلك المطلوب، يجب علينا أن نقوم بكلّ عملٍ لازم، ولكن دون أن نطلب شيئًا في المقابل، لماذا؟ لأنّ إرادته قد تعلّقت بأن نقوم بذلك العمل نفسه، وإلّا لما قمنا به، فممّن نطلب إذًا؟
