
الانتظار الحقيقيّ للفرج
ما الذي جعل عليًّا عليًّا عليه السلام؟
ما هو المعنى الحقيقيّ لرجاء الله وانتظار الفرج؟ هل يقتصر على الدعاء والطقوس، أم أنّه منهج حياةٍ كامل؟ ما هو السرّ الذي جعل أمير المؤمنين عليه السلام يبلغ ما بلغ من العظمة؟ وهل كانت عبادته هي السبب الوحيد، أم أنّ هناك بُعدًا آخر يتعلّق بالتسليم المطلق والصبر على ما لا يُطاق؟ كيف ينبغي للمؤمن أن يعيش حياته اليوميّة ليكون منتظِرًا حقيقيًّا ومستعدًّا للقاء الإمام المهديّ عليه السلام في أيّ لحظة؟ ولماذا قد يأمر المربّي العارف تلميذه بترك المستحبّ أحيانًا؟ يُجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في هذه المحاضرة العميقة عن هذه الأسئلة، مُقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة لمعنى السير والسلوك إلى الله.
الانتظار الحقيقيّ للفرج
4لا أريد أن أتحدّث عن صلواته ونحيبه وبكائه في بساتين النخيل، والتي يروي عنها أبو الدرداء فيقول: «جئتُ ليلاً فسمعتُ صوتًا في بستان النخيل، فتحرّكتُ وخرجتُ، وواصلتُ المسير حتّى رأيتُ أنّه عليٌّ عليه السلام يصلّي ويناجي ربّه، ويتضرّع إليه. وفجأةً، صاح صيحةً وسقط مغشيًا عليه، فذهبتُ إليه فوجدتُ جسده باردًا كقطعة خشب يابسة لا يتحرّك. فأتيتُ عند طلوع الفجر إلى باب بيته، وطرقتُ الباب فخرجت فاطمة الزهراء عليها السلام، فقلتُ لها ما حدث، فقالت: هذا دأبه كلّ ليلة، وليس الأمر مقتصرًا على هذه الليلة»۱. لا أريد أن أقول إنّ هذه الأمور لم تكن مفيدةً لأمير المؤمنين عليه السلام.
هذه الأمور محفوظة في مقامها، ولكن ما جعل عليًّا عليًّا لم يكن مجرّد هذه الصلوات وحدها. ما جعل عليًّا عليًّا هو أن يجلس ويرى زوجته تُقتَل أمام عينيه، ولا يكون مأمورًا باستلال السيف، بل مأمورًا بالسكوت. هذا هو الذي يصنع عليًّا. ذاك عليٌّ الذي أمسك برقبة خالد بن الوليد بإصبعين لا أكثر، هذين الإصبعين فقط، وكاد أن يخنقه في مسجد المدينة، هذا نفسه يرى أولئك الاثنين يأتيان إلى باب بيته ويضرمان النار فيه، فما قيمتهما؟ ما مكانتهما؟ فجلس صامتًا ولم يقل شيئًا. ليس هذا فحسب، بل وضعوا الحبل بعد ذلك في عنقه وجرّوه. فهل يمكنكم أصلًا تصديق هذا؟! هل يمكنكم تصديق أمرٍ كهذا، أن يأتوا ويفعلوا ذلك وهو ينظر إليهم هكذا؟
يا رجل، افعل شيئًا! لا، لم يكن مأذونًا له. ولكن في الموضع المناسب، يختلف الأمر. فعندما توفّيت السيّدة الزهراء عليها السلام، استيقظ فجأةً عرقُ التديّن والقرابة من رسول الله صلّى الله عليه وآله في عمر، وتذكّر أنّه من أقرباء النبيّ، وأنّه حمو رسول الله... فقال: «ماذا حلّ بفاطمة؟»، قيل له: «لقد دفنّاها وانتهى الأمر». فقال: «ماذا؟ دفنتموها دون إذني؟ كان يجب عليّ أن آتي وأصلّي عليها». أنت الذي ضربتها وقتلتها، والآن تقول سآتي لأصلّي عليها؟!
جاء إلى قبرٍ وهميٍّ كانوا قد أعدّوه في مقبرة البقيع، وقال للناس: «احفروا هذا القبر وأخرجوا الجنازة، فأنا خليفة المسلمين وأريد أن أصلّي عليها! لقد دُفنت خطأً، وهذه الأمور لا تجوز، هل تُدفن ابنة رسول الله صلّى الله عليه وآله ونحن لا نصلّي عليها؟!». فجاء أمير المؤمنين عليه السلام ووقف هناك، ووضع سيفه على الأرض وقال: «من كان يستطيع فليأتِ وليخرجها». فكم فردًا تقدّم؟ تراجع الجميع. فلماذا لم يفعل الشيء نفسه عند باب بيته؟ قال: «من يستطيع فليأتِ ويحفر هذا القبر». أو عندما أرادوا أن يأخذوا منه البيعة، لماذا لم يأتِ بسيفه ويضعه عند باب مسجد المدينة ويقول: «فليأتِ من يستطيع أن يدخل هذا المسجد»؟ كان يستطيع، لا أنّه لم يكن يستطيع، بل كان يستطيع ولكنّه لم يفعل. هذا هو الذي جعل عليًّا عليًّا. هل اتّضح الأمر؟
- الأمالی (للصدوق)، ص ۷٩ ـ ۷٦.
