
الانتظار الحقيقيّ للفرج
ما الذي جعل عليًّا عليًّا عليه السلام؟
ما هو المعنى الحقيقيّ لرجاء الله وانتظار الفرج؟ هل يقتصر على الدعاء والطقوس، أم أنّه منهج حياةٍ كامل؟ ما هو السرّ الذي جعل أمير المؤمنين عليه السلام يبلغ ما بلغ من العظمة؟ وهل كانت عبادته هي السبب الوحيد، أم أنّ هناك بُعدًا آخر يتعلّق بالتسليم المطلق والصبر على ما لا يُطاق؟ كيف ينبغي للمؤمن أن يعيش حياته اليوميّة ليكون منتظِرًا حقيقيًّا ومستعدًّا للقاء الإمام المهديّ عليه السلام في أيّ لحظة؟ ولماذا قد يأمر المربّي العارف تلميذه بترك المستحبّ أحيانًا؟ يُجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في هذه المحاضرة العميقة عن هذه الأسئلة، مُقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة لمعنى السير والسلوك إلى الله.
الانتظار الحقيقيّ للفرج
2أعوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم
وصلَّى اللهُ عَلَى سيّدنا ونبيّنا أبي القاسمِ ، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين
واللَّعنةُ الدائمةُ عَلَى أعدائِهِم أجمَعينَ.
حقيقة الرجاء: هل يكفي الأمل للوصول؟
«وَأعلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِينَ بِمَوضِعِ إِجَابَةٍ، وَلِلمَلهُوفِينَ بِمَرصَدِ إِغَاثَةٍ».
أي أنّ توصّلتُ إلى هذه الحقيقة يقينًا، وهي أنَّك يا ربّ قد جعلتَ للراجين مقامًا للإجابة، وأنَّك ستغيث الذين استولى عليهم اليأس وخبت فيهم شعلة السعي نحو المطلوب.
لقد بيّنا للرفقاء في الليالي الماضية بعض المسائل حول حقيقة الرجاء، وأنّها تلازم الطلب والسعي؛ فالذي يرجو شيئًا ولا يسعى في طلبه ليس براجٍ، بل هو كاذب في ادّعائه. فالذي يأمل أن يتشرّف بزيارةٍ ما، ينهض ويسعى لتهيئة مقدّماتها، أمّا إذا ما جلس في منزله وقال: «إن شاء الله، قسم الله لنا ما فيه الخير»، حسنًا، لقد قسم الله لك الخير، فانهض واخرج من بيتك. ولكنّه يعود ليقول: «لا! سأنتظر ما يقسمه الله لي!»، فهذا لا يملك رجاءً حقيقيًّا.
ولكنّ هذا الإنسان نفسه، لو أراد تحصيل ألفي تومان، لما جلس في بيته قائلًا: «سيقسم الله لي رزقي»، بل ينهض ويخرج من بيته. ولو جلس يومين في بيته ورأى جيبه قد فرغ، ففي اليوم الثالث، سيضطرّ للخروج من بيته مُكرَهًا وهو يتذمّر ويصرخ ـ لا قدّر الله لأحدٍ ذلك ـ نعم، سيخرج كالبرق وهو يصرخ ويولول: «يا ويلتاه! ليس لدينا خبز! يا ويلتاه! ليس لدينا لحم! يا ويلتاه! ليس لدينا مال!»، وهناك من يقول له: «أهكذا يكون الرجال؟ ألا تخجل من نفسك؟... لماذا تزوّجت أصلًا؟»، من هذه الكلمات التي تُنقل إلينا بين الحين والآخر! إن شاء الله يكون كلّ هذا من باب المزاح لا الجدّ! لكنّه لو استمرّ في الجلوس في بيته قائلًا: «سأجلس، وإن شاء الله سيرزقني الله»، فلن يحصل على شيء، هنا سيُرغم على الخروج من بيته بأيّ شكلٍ من الأشكال، فالإجبار يخرج الإنسان من حالته تلك في نهاية المطاف، ولا مفرّ من ذلك.
غربة العرفان في الحوزة
لقد تذكّرتُ الآن قضيّة، ولا أدري هل ذكرتها للرفقاء أم لا. عندما كان المرحوم العلامة في النجف، كان له وضعٌ خاصّ؛ إذ لم يكن يتقاضى راتبًا شهريًّا من مراجع النجف، لم يأخذ منهم درهمًا واحدًا. وفي تسجيل صوتيّ له، قال فيه: «في ذلك الوضع الذي كنت فيه، وقد اشتهرت بالعرفان والذّكر وأمثال ذلك، لو كنت آخذ الراتب الشهريّ من المراجع لقطعوه عنّي يقينًا»، هذا نصّ كلامه وهو موجود حاليًا، فهل اتّضح الأمر؟! أي بتهمة اتّباع العرفان، والاشتغال بالنفس، فهذه جريمة! لو أنّ امرءًا قضى ليله ونهاره في الهراء والثرثرة والغيبة والبهتان، لكان الأمر عاديًا... نعم، كان المرحوم الوالد يلتزم الصمت كثيرًا في ذلك الزمان... فلا مشكلة لو مرّت عدّة أشهر في البهتان والغيبة والنميمة، والسعي بالوقيعة بين الناس، والعمل بخلاف الشرع، فكلّ هذا لا إشكال فيه، وسهم الإمام عليه السلام يكون في هذه الحالة أحلّ من حليب الأمّ.
