
الانتظار الحقيقيّ للفرج
ما الذي جعل عليًّا عليًّا عليه السلام؟
ما هو المعنى الحقيقيّ لرجاء الله وانتظار الفرج؟ هل يقتصر على الدعاء والطقوس، أم أنّه منهج حياةٍ كامل؟ ما هو السرّ الذي جعل أمير المؤمنين عليه السلام يبلغ ما بلغ من العظمة؟ وهل كانت عبادته هي السبب الوحيد، أم أنّ هناك بُعدًا آخر يتعلّق بالتسليم المطلق والصبر على ما لا يُطاق؟ كيف ينبغي للمؤمن أن يعيش حياته اليوميّة ليكون منتظِرًا حقيقيًّا ومستعدًّا للقاء الإمام المهديّ عليه السلام في أيّ لحظة؟ ولماذا قد يأمر المربّي العارف تلميذه بترك المستحبّ أحيانًا؟ يُجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في هذه المحاضرة العميقة عن هذه الأسئلة، مُقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة لمعنى السير والسلوك إلى الله.
الانتظار الحقيقيّ للفرج
16لا أحد يعلم بأحوال الآخر، ولكن عندما يأتي محكّ التجربة، حينها يتّضح ما الخبر. ما هذا الباطن؟
ظاهرش چون گور کافر پر خلل *** باطنش قهر خدای عزّوجلّ ظاهرش چون بوذر و سلمان بود *** باطنش همچون ابوسفیان بود۱ يقول:
ظاهره كقبر الكافر مليء بالخلل *** وباطنه قهر الله عزّ وجلّ.
ظاهره كأبي ذرّ وسلمان *** وباطنه كأبي سفيان
لا أحد يعلم بباطن الآخر. تنظر فتقول: «ما شاء الله، كم هو إنسان نورانيّ! كم هو جيّد!». ولكن عندما يوضع في الموقف المناسب، ويرى أنّ الأمور تتعارض مع نفسانيّاته ومصالحه، يكون مستعدًّا لارتكاب كلّ الفجائع ليجلس على كرسيّه، ومستعدًّا لارتكاب كلّ الجرائم لئلّا يتراجع عن كلامه. لماذا؟ لأنّ النفس قد أشرقت، ولا تسمح له بأن يسقط أرضًا، «فإذا سقطتُ انتهى الأمر». لا يا عزيزي، أين انتهى الأمر؟ أنت كغيرك من الناس، ما الفرق؟ حسنًا، لقد سقطنا، فماذا حدث؟
الطريق الإلهيّ لا يتوقّف على الأفراد
كنّا نظنّ أنّ المرحوم العلامة هو نهاية المطاف، والعارف الفلانيّ، وأنّه إذا رحل، سيُغلق طريق الله، وستُغلق أبواب العرفان، ولكنّنا رأينا أنّ الأمر ليس كذلك! لقد رحل المرحوم الوالد والله باقٍ في مكانه، وطريق الله باقٍ في مكانه، والمدرسة باقية في مكانها، من أراد أتى، ومن لم يُرد لم يأتِ، لم يتغيّر شيء. لو تذكرون، في الليلة الثالثة لوفاته ـ لا أدري إن كان بعضكم حاضرًا أم لا ـ كنتُ أتحدّث إلى الرفقاء في مشهد وقلت: «يا إخوان! المرحوم الوالد قد دُفن تحت التراب، ولكنّ الله لم يُدفن، الله باقٍ في مكانه». كان الرفقاء حزينين جدًّا، وكانوا يظنّون أنّ الأمر قد انتهى، وأنّ المسألة كلّها... لا يا إخوان، لم ينتهِ شيء. كم من أمثال المرحوم الوالد قد أتوا، وكم سيأتون. هناك من يغلو غلوًّا لا يعجب الإنسان، فيقولون: «لم يأتِ مثل المرحوم الوالد ولن يأتي». فقلت: «ومن أين لك أن تعلم أنّه لم يأتِ ولن يأتي؟ هل لديك علم الغيب حتّى تقول ذلك؟». لماذا لا يمكن؟ يمكن. من قال لا يمكن؟
يجب على الإنسان أن يفكّر بشكل صحيح. كان والدي رحمه الله رجلًا عظيمًا، وأنا كنتُ أقرب إليه منكم جميعًا لأنّني ابنه ـ ليس من الناحية المعنويّة، فمن الناحية المعنويّة أنتم أقرب ـ ولكن من الناحية الظاهريّة أنا ابنه. وكان المرحوم الوالد رجلًا عظيمًا وكان وليًّا، كان قد بلغ إلى مرتبة البقاء وطوى مراتب الفناء، وأنا أعترف بهذه المسألة، نقول هذا إذا قلنا أقصى ما لدينا وما تصل إليه عقولنا، ولكن في الوقت نفسه، لسنا ممّن يقول: «لن يأتي أحد مثله». لا! فقد يأتي من هو أفضل منه، فمن قال ذلك؟! لا، ليس الأمر كذلك. لماذا هذا الجمود؟ لماذا ننظر إلى القضيّة بعاطفيّة؟
- مثنوی معنوی ج٥ ص٢۰
