
الرجاء الصادق: بين العمل الصالح والأمل الكاذب
قصص من حياة العارفين في مواجهة الشرك الخفيّ والتسويف
ما هو المعنى الحقيقي لـالرجاء الذي لا يُردّ، كما ورد في الأدعية الشريفة؟ وهل يكفي الأمل القلبيّ للوصول إلى الله؟ كيف يسرق الشرك الخفيّ، مثل حب الرئاسة وكسب المريدين، حقيقةَ هذا الرجاء؟ وما هو الموقف العمليّ الذي اتخذه العارفون بالله كالعلامة الطباطبائي والعلامة الطهراني تجاه هذه المزالق؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في شرح فقرة «وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِينَ بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ» من دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة وأسئلة أخرى عبر قصص واقعيّة ومواقف تربويّة دقيقة.
الرجاء الصادق: بين العمل الصالح والأمل الكاذب
6الرجاء في القرآن: دعوة للعمل لا للتمنّي
في القرآن الكريم، لدينا آيات كثيرة حول مسألة الرجاء، مثل: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾۱، و ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾٢. من يرجو، أي من يُريد... كنت أريد طرح مسألة معيّنة، ثمّ حدث شيء ما، لكن، لا بأس، سوف أتحدّث عنها.
ذكرتُ أنّ المرحوم الوالد كان يولي اهتمامًا كبيرًا... وقد قُلت [في نفسي]: ربّما يُطبّق بعض الرفقاء الأمر على [بعض الأشخاص]، ولكن سأبيّن الأمر بطريقة يكون معها هذا التطبيق بعيدًا بعض الشيء. أتذكّر أنّه كان يأتي ليالي الثلاثاء من منزله في الأحمديّة بتلك الحالة إلى مسجد القائم، وبعد الصلاة، كان هناك درس في القرآن، حيث كانوا يجلسون ويضعون المصاحف على الرِّحال، وكان هو بنفسه يُصحّح الإعراب والتجويد، ثم يُلقي تفسيرًا لمدّة نصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة، ويتناول مسائل أخلاقيّة، ويشرح الأحاديث القدسيّة، كالأحاديث السبعة عشر في بحار الأنوار التي تبدأ بـ «يا أحمد» أو «يا عيسى»، فكان يشرحها ليالي الثلاثاء، ولكن للأسف لا يوجد تسجيل أو تدوين لها.
عندما كان يأتي ويتحدّث بهذه الطريقة وهذه الكيفيّة، كنّا نرى البعض يأتون في منتصف حديثه، فيسأل أحدهم: «لماذا لم تأتِ؟». فيقول: «يا سيّدي، جاء زبون ولم يتركني، وكلّما أردت المجيء لم يتركني، فتأخّرت». حسنًا، هذا واحد. ويأتي آخر، على سبيل المثال، وقد تأخّر أيضًا، فيقول: «يا سيّدي، علقنا في زحمة السير». مع أنّه لم تكن هناك زحمة سير! وكان البعض يأتي، وما إن يبدأ حديث المرحوم العلاّمة لخمس أو ستّ دقائق، حتّى تبدأ عيونُهم تُغمض شيئًا فشيئًا، وبعد قليل يرتفع صوت الشخير. وكان أحدهم يذهب من البداية ويُجهّز مكانه، فيستند إلى عمود ليستريح جيّدًا، ويستمتع بهمهمة السيّد كأنّها تهويدة٣، فينام نومًا هنيئًا، ليعود إلى منزله نشيطًا. فهذه الأمور كانت تحدث.
في أحد الأيّام، كنّا في سفر إلى همدان برفقة المرحوم الوالد، وكان يتحدّث عن هذه القضايا في مجلس يضمّ عشرة أشخاص أو عشرين شخصًا، منهم بعض الأصدقاء من همدان، حيث كنّا نذهب إلى منزل المرحوم الحاجّ بيات رحمه الله مع بقيّة الرفقاء الذين كانوا في ذلك الزمان، وقد تُوفّي معظمهم، وبقي البعض منهم، فكان المرحوم العلاّمة يتحدّث أحيانًا في الليل عن ضرورة أن يكون للإنسان همّة وعمل؛ وحينما أنهى حديثه، جاء ذلك الرجل الذي كان يشخر وجلس بجانبه وقال: «السلام عليكم». فردّ عليه السلام. ثم قال: «يا سيّدي، لديّ سؤال». كنّا أصدقاء نضحك ونتمازح. قال: «يا سيّدي، كم سنة مرّت منذ أن جئنا إليك؟». قال سماحته: «انظروا كم سنة وأخبروه». «عشر سنوات». قال: «حسنًا، ماذا أصبحنا في هذه السنوات العشر؟». كنت جالسًا هناك، فقلت له: «تعال إليّ لأجيبك». لم يقل سماحته شيئًا، بل صمت وأطرق رأسه. قلت له: «تعال لأجيبك. ماذا تريد أن تُصبح؟ لقد أتيتَ عند سماحته بشخيرك طوال عشر سنوات، هل تذكر؟ كنت تذهب وتجلس أمام العمود وتشخر، وفجأة يقول لك السيد: "يا فلان، هل أنت بخير؟" فتطرق رأسك. هل تذكر؟ لو بقيت على هذا الحال مائة عام أخرى، فلن تتقدّم خطوة واحدة. هل أنت راجٍ؟ هل هذا هو حال من يرجو؟ أن يأتي ويستند إلى عمود ويشخر أمام السيّد؟». كلّنا نكذب.
- سورة العنكبوت (٢٩) الآية ٥.
- سورة الكهف (۱۸) الآية ۱۱۰.
- أغنية لإرقاد الأطفال. المعرّب
