
الرجاء الصادق: بين العمل الصالح والأمل الكاذب
قصص من حياة العارفين في مواجهة الشرك الخفيّ والتسويف
ما هو المعنى الحقيقي لـالرجاء الذي لا يُردّ، كما ورد في الأدعية الشريفة؟ وهل يكفي الأمل القلبيّ للوصول إلى الله؟ كيف يسرق الشرك الخفيّ، مثل حب الرئاسة وكسب المريدين، حقيقةَ هذا الرجاء؟ وما هو الموقف العمليّ الذي اتخذه العارفون بالله كالعلامة الطباطبائي والعلامة الطهراني تجاه هذه المزالق؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في شرح فقرة «وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِينَ بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ» من دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة وأسئلة أخرى عبر قصص واقعيّة ومواقف تربويّة دقيقة.
الرجاء الصادق: بين العمل الصالح والأمل الكاذب
4فبماذا أجابه العلاّمة؟ انتبهوا لهذا الجواب. قال: «هل يستحقّ الأمرُ أن تبحث عنه؟». إذا كان يستحقّ، فاذهب وابحث، لا سنتين فقط، بل قل عشر سنوات! إذا كان يستحقّ العناء، اذهب وابحث لسنتين، وإن لم يكن يستحقّ، فاذهب واختر عشوائيًّا، أجرِ قُرعةً، فإمّا أن تقع العُملة على هذا الوجه، أو الوجه الآخر، وخذ أيّة رسالة عمليّة، واعمل بها على غير هدى.
حقيقة الرجاء: هل هو مجرّد أمل أم سعي وعمل؟
إنّ مسألة الرجاء والأمل هي أهمّ مسألة يجب على السالك أن يلتفت إليها، فيلتفت إلى ماذا يريد من الله تعالى؟ هذا هو المهمّ: ما هو أمله؟ [هل هو أن يقول فقط:] «يا ربّ أوصلنا»؟ فيقول له تعالى: «حسنًا، سأوصلك». إن كان الأمر بمجرّد القول، فهذا هو الجواب. أو يقول: «يا ربّ، إنّا قادمون إليك». فيقول تعالى: «أهلاً بك، تعال»! هذا ليس أملاً.
أتذكّر في زمن المرحوم الوالد العلاّمة الطهرانّي، ولكي لا تتصوّروا أنّني مستثنى من هذه القاعدة، لا، كنّا نحن أيضًا كذلك، ولنقلها بصراحة تامّة، وإنّما أذكر ذلك من باب عدم الخيانة في نقل المسألة، فنقول الأمر كما هو بصراحة، لعلّ أحدهم يقول: «لقد نجحنا بالصدفة»، أو يقول آخر: «نحن نعمل بما يُقال لنا»، حسنًا جدًا، كنّا نحن أيضًا كذلك. كان المرحوم والدي يبذل جهدًا بليغًا جدًّا في دعوة الناس والشباب إلى المسجد وتربيتهم، حيث كان يحرص على أن يذكر للناس الأبعاد التربويّة والدقائق السلوكيّة في مختلف المواضع إشارةً وكنايةً وتصريحًا، فقد كان هذا دأبه.
منهجان في التعامل مع الآخرين
ذات مرّة، تحدّثت مع شخص عن رجل آخر، وكان ذلك الرجل عظيمًا أيضًا، وقد توفّي رحمه الله، وكان عالمًا ومتهجّدًا وتقيًّا وفاضلاً ومدرّسًا، ورجلاً نافعًا جدًّا على كلّ حال. قلت لذلك الشخص: «أتعرف ما هو عيب فلان؟ عيبه أنّه لو بقي شخص معه عشر سنوات، لصار ناضجًا من الناحية الفكريّة والعقليّة، لكنّه لن يتغيّر من الناحية التربويّة»؛ أي أنّه لا يهتمّ بالجانب التربويّ للشخص، ولا يسعى لتغيير خصائصه الأخلاقيّة وسلوكه وهيئته ولباسه وتفاصيل حياته ومعاشراته ومظهره وأمثال ذلك، ولا طريقته في العبادة وتنظيم علاقاته. لا يهتمّ بهذه الأمور، فليكن الشخص كما هو.
