
الرجاء الصادق: بين العمل الصالح والأمل الكاذب
قصص من حياة العارفين في مواجهة الشرك الخفيّ والتسويف
ما هو المعنى الحقيقي لـالرجاء الذي لا يُردّ، كما ورد في الأدعية الشريفة؟ وهل يكفي الأمل القلبيّ للوصول إلى الله؟ كيف يسرق الشرك الخفيّ، مثل حب الرئاسة وكسب المريدين، حقيقةَ هذا الرجاء؟ وما هو الموقف العمليّ الذي اتخذه العارفون بالله كالعلامة الطباطبائي والعلامة الطهراني تجاه هذه المزالق؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في شرح فقرة «وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِينَ بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ» من دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة وأسئلة أخرى عبر قصص واقعيّة ومواقف تربويّة دقيقة.
الرجاء الصادق: بين العمل الصالح والأمل الكاذب
2أعوذُ باللهِ منَ الشَّیطانِ الرَّجيمِ
بسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ
وصلَّى اللهُ على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسمِ محمّدٍ
وعلى آلهِ الطيّبينَ الطاهرينَ
واللعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ
«وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِينَ بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ، وَلِلْمَلْهُوفِينَ بِمَرْصَدِ إِغَاثَةٍ، وَأَنَّ فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ عِوَضًا مِنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ، وَمَنْدُوحَةً عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ».
ما معنى أن يكون الرجاء حتميّ التحقّق؟
يُمكن القول إنّ هذه الفقرات تحمل معنىً واحدًا وسياقًا واحدًا تقريبًا: «حقًّا إنّي لأعلم، والمسألة هي كذلك بنحو مؤكّد، أنّك «لِلرَّاجِينَ بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ»؛ أي إنّك بالنسبة للراجين في مقام الإجابة، وأنت للذين يرجونك في موضع الاستجابة.
يقول الإمام عليه السلام هنا: إنّ المسألة، بالتأكيد، هي أنّ من يرجوك لا يمكن أن يُردَّ؛ هذا هو كلام الإمام عليه السلام. فعبارة «بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ» تعني أنّ طلبه لا يُردُّ. فمن كان يرجوك، فإنّ هذا الرجاء سيُستجاب له حتمًا، وإلاّ، لو كان الله يستجيب لهذا الرجاء تارةً ولا يستجيب له تارةً أخرى، لما قال الإمام عليه السلام: «بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ». تُقال عبارة «بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ» للموقف الذي يتحقّق فيه ذلك الرجاء حتمًا، لا أنّه يتحقّق أحيانًا ويُرفض أحيانًا أخرى، كأن يُجيب متى شاء، وإن لم يشأ يقول: «لا أريد أن أفعل، ومن ذا الذي يستطيع أن يعترض؟!». لا، ليس الأمر كذلك، فالإمام يقول: «أَعْلَمُ»، أي أنا أعلم. ومن القائل؟ إنّه الإمام السجّاد عليه السلام، ولستُ أنا من يقول ذلك، وكلام الإمام لا يُردّ. أمّا كلامنا نحن، فيُحتمل فيه الردّ؛ نعم، فنحن نقول: «سيحدث هذا الأمر قطعًا»، ولكنّه لا يحدث، ونقول: «ستنتهي القضيّة إلى هذا المصير حتمًا»، ولكنّها لا تنتهي إليه، ونقول: «ستكون الأوضاع كذا وكذا، كونوا على يقين واطمئنان»، ولكننا نرى أنّ شيئًا من ذلك لم يحدث. لكنّ الإمام عليه السلام يقول: «أَعْلَمُ»، ولا يقول: «أَظُنُّ» أنّك في موضع إجابة. أو «أَتَخَيَّلُ» ذلك. إنّ قوله «أَعْلَمُ» مسألة مهمّة لنا، فالأمر ليس مزحة. عندما يقول الإمام السجّاد عليه السلام «أَعْلَمُ»، أي أنا أعلم، وفوق ذلك أتى بـ «أَنَّ» للتأكيد، فقال: «أَنَّكَ لِلرَّاجِينَ بِمَوْضِعِ إِجَابَةٍ»، أي للذين يرجونك.
