
كيف نفهم حقيقة التوحيد في المصائب؟
تحليل لقصّة موسى والخضر عليهما السلام
لمَ اعترض نبيّ الله موسى عليه السلام على أفعال الخضر، ولكنّه لم يعترض على الموت الطبيعي الذي يراه كل يوم؟ ما الفرق الجوهري بين رؤية النبي ورؤية العارف الكامل؟ ولماذا يُعدّ البلاء والصبر على الشدائد شرطًا أساسيًّا في السلوك إلى الله؟ وكيف يُمثّل صبر أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله قمّة التوحيد العملي والتسليم المُطلق؟ تجيبك هذه المحاضرة العرفانية القيّمة التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة العميقة، كاشفةً عن حقيقة النظرة التوحيديّة لمجريات الأحداث.
كيف نفهم حقيقة التوحيد في المصائب؟
9قصة أستاذ الأخلاق الذي خاف من الموت
كان هناك عالم من الأفاضل والعلماء ومدرّسي الأخلاق، وكنت أحضر دروسه أحيانًا. كان يقول: «على الإنسان أن يكون مستعدًّا دائمًا، حتّى يذهب قبل أن يُطلب منه الذهاب». كان يلقي دروس الأخلاق ويحضرها حوالي مائتا طالب، وكان رجلاً فاضلاً وعالمًا ومجتهدًا وله كتب وأبحاث. وقد أصيب هذا الرجل بالسرطان سرطان الدم، وعندما ذهبنا لزيارته، لم يكن يُحتمل النظر إليه. بدا وكأنّ الدنيا قد انهارت على رأسه. هذا الأستاذ الذي كان يقول إنّ الإنسان يجب أن يذهب قبل أن يُطلب منه، لم يكن يسمح لأحد بالدخول إلى منزله، ولم يكن يتحدّث، وكان كلّ همّه الأدوية أن لا تبتعد عن متناول يده. حاولنا أن نذكّره بكلامه، بأنّه كان يقول لنا: «يجب على الإنسان أن يسبق عزرائيل بخطوات حتّى يبحث عنه فلا يجده!»، لكنّنا رأينا أنّه لا يستطيع أن يتنازل عن تعلّقه بالحياة، وبعد فترة توفّي على تلك الحال.
كان المرحوم العلامة يقول: على الإنسان أن يرحل من هذه الدنيا وهو يرقص فرحًا ويضحك. وهذا ما حدث له هو نفسه كما يروي الرفقاء. كنت حاضرًا في ساعاته الأخيرة، ويقولون إنه عندما شعر بالمرض في جلسة عصر الجمعة في منزله، أخذ يضحك ويقول لمن كانوا يحملونه: «قولوا لا إله إلا الله بصوت عالٍ». هذا يرحل هكذا، وذاك يرحل هكذا. هذا يبحث عن عزرائيل ويسأل: «أين أنت؟ لمَ لا تأتي؟». وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «لَوْلَا الْآجَالُ الَّتِي قَدْ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لَمْ تقرّ [تَسْتَقِرَّ] أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ خَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ وشَوْقًا إِلَى الثَّوَابِ»۱. لو لم يكن هناك أجل محدّد، لما استقرّت أرواحهم في أجسادهم طرفة عين.
العارف يرى المعجزة في كل شيء
فعندما يأتي عزرائيل ويفعل ما يفعل، قد يتساءل الإنسان «لماذا؟»، لكنّه تساؤل يمر بالذهن سريعًا ولا يركّز فيه؛ لأنّه ينسب الأمر إلى عالم الغيب. أمّا عندما تقع الحادثة نفسها من خلال العلل المادّية، تنشأ الشبهة لدى الإنسان أن «لماذا؟». لماذا يفعل الخضر هذا؟ حسنًا، لعلّ الخضر هنا مثل عزرائيل، فما الفرق؟ فكما أن عزرائيل لا يفعل شيئًا دون إذن وتكليف من الله تعالى، كذلك الخضر يفعل ما يفعله بإذن منه. وهنا تكمن النقطة التي كان السيد الحداد رضوان الله عليه يقولها: «لو أنّ الناس ذهبوا إلى بئر جافة ودعوا الله أن يرتفع ماؤها فاستجاب لهم، لعدّوا ذلك معجزة، ولكنهم إذا فتحوا صنبور الماء في منازلهم وجرى الماء، لا يعتبرون ذلك معجزة»، مع أنّ كليهما إعجاز. هذا كلام عارف وصل إلى مرتبة "البقاء الأتم"، فلم يعد يرى فرقًا بين سلسلة العلل المجرّدة وغير المجرّدة. إنّه ينظر إلى جميع الأحداث من زاوية ارتباطها بمبدأ الفيض بنسق واحد. فالنبيّ موسى عليه السلام يعترض ويقول: «لمَ قتلت هذا الغلام؟!»، وهذا يقول: «إنّ سلسلة العلل واحدة، سواء كانت في الأعلى أو في الأسفل، فما الفرق؟!».
- أصول الكافي، ج ٢، ص ٢٣۷؛ نهج البلاغة، الخطبة ۱٩٣خطبة المتقين، ص ٣٠٣: «وَلَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ».
