انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

كيف نفهم حقيقة التوحيد في المصائب؟

تحليل لقصّة موسى والخضر عليهما السلام

0
سنة 1422
الجلسات

لمَ اعترض نبيّ الله موسى عليه السلام على أفعال الخضر، ولكنّه لم يعترض على الموت الطبيعي الذي يراه كل يوم؟ ما الفرق الجوهري بين رؤية النبي ورؤية العارف الكامل؟ ولماذا يُعدّ البلاء والصبر على الشدائد شرطًا أساسيًّا في السلوك إلى الله؟ وكيف يُمثّل صبر أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله قمّة التوحيد العملي والتسليم المُطلق؟ تجيبك هذه المحاضرة العرفانية القيّمة التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة العميقة، كاشفةً عن حقيقة النظرة التوحيديّة لمجريات الأحداث.

كيف نفهم حقيقة التوحيد في المصائب؟

6
  • كذلك الإنسان في عالم الكثرات، ينصبّ اهتمامه على المعلول والمظاهر فقط: هذا فعل كذا، وهذا وصل إلى المنصب الفلاني، وهذا أصبح غنيًا وذاك فقيرًا، وهذا قال سوءًا وذاك قال خيرًا، وهذا أصبح عالمًا وذاك جاهلًا، هذا تولّى الرئاسة وذاك أصبح مرؤوسًا، هذا عُزل وذاك نُصّب... كل ما يلتفت إليه الإنسان في هذا العالم هو سلسلة العلل والأسباب الماديّة، أي عالم المعلولات. وهذا لأنه لا يزال طفلًا، لم يكتشف العلة والجذر؛ لأنّه يفتقر إلى ذلك الاتّصال الحقيقيّ الذي يوجب تصحيح الفكر والسرّ والروح.

  • قصّة موسى والخضر: حين تلتقي الشريعة بالحقيقة

  • لا أدري هل ذكرت هذه المسألة في شرح "عنوان البصري" عندما كنت أتحدّث عن قضايا الخضر أم لا؟ قصّة الخضر عليه السلام قصّة عجيبة جدًّا وفيها أسرار، وكلّما تعمّق الإنسان فيها، وصل إلى مسائل جديدة. فموسى على نبيّنا وآله وعليه السلام نبيّ ورجل عظيم، وقد أدرك بعض المعارف، ولكنّه لم يكن قد بلغ مرتبة النضج القصوى بالنسبة للوصول إلى حقيقة التوحيد ونزول الفيوضات المختلفة الأنواع والمظاهر في عالم الكثرة. فأراد الله أن يرفع هذا النقص عن موسى عليه السلام ويعرّفه بجميع مراتب التوحيد، طبعًا إلى الحدّ الذي لا يمكننا معه القول بأنّ جميع المراتب قد اتّضحت له، فتلك المراتب لم تتّضح إلا لرسول الله صلَّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام. وبالطبع، يمكننا القول إنّه بناءً على بعض الروايات، ربّما يكون قد وصل إلى هذه المراتب بعض أفراد أمّة رسول الله، وهو ما نعبّر عنه بالبقاء الأتم۱.

  • فموسى على نبيّنا وآله وعليه السلام يرى الناس يموتون أمام عينيه ألف مرّة في اليوم، ولكنّه لا يعترض على الله أبدًا. تلد الأم طفلها فيموت كلاهما عند الولادة، فهل يعترض؟ لا. إنّه الموت: ﴿ٱللَهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا وَٱلَّتِي لَم تَمُت﴾٢، ﴿قُل يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلمَوتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُم﴾٣. الله هو الذي يميت. كنت أقرأ في ترجمة للقرآن، لا أذكر من هو المترجم، حول عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيهِم﴾٤، كانت الترجمة تقول: «عندما قبضت روحي». ترجمة «قبض الروح» هنا خاطئة؛ فالمعنى ليس قبض الروح. لا تخطئوا، فعيسى عليه السلام لم تُقبض روحه، إنّه حيّ مثلنا، ومثل إمام الزمان عليه السلام، لكنّه في برزخ بين المادّة والمجرد، وهو ما يُعبّر عنه بالسماء الرابعة. وعندما يظهر بقيّة الله أرواحنا فداه إن شاء الله وينير أعيننا المريضة بنوره، سينزل عيسى عليه السلام من السماء ويقتدي به ويكون من أتباع وشيعة إمام الزمان عليه السلام. الأئمة عليهم السلام ماتوا، أمير المؤمنين عليه السلام مات، الإمام السجاد عليه السلام مات، ولكنّ إمام الزمان عليه السلام حيّ، وعيسى عليه السلام حيّ لم يمت؛ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلٰكِن شُبِّهَ لَهُم﴾٥.

    1. المراد بالبقاء هنا مرحلة البقاء بعد الفناء، ففي اصطلاح العرفاء وأهل السير والسلوك يمرّ الإنسان في ثلاث مراحل: 
      مرحلة ما قبل الفناء: وهي مرحلة غلبة الكثرات والعلل، والتي يعيش فيها حالة الشرك ويعطي فيها للكثرات قيمة ذاتية، ولا يكون قد وصل في هذه المرحلة بعد إلى حقيقة التوحيد.
      مرحلة الفناء: وهي مرحلة غلبة الوحدة والوصول إلى حقيقة التوحيد وأنّ الله هو الحقّ وما دونه الباطل، وفيها يكتشف أنّ نفسه وكافّة الموجودات لا وجود لها أصلاً، فلا يعود يرى سوى الله ولا يشعر بعالم الكثرة أبدًا. 
      مرحلة البقاء بعد الفناء: وهي مرحلة الوحدة في عين الكثرة، حيث يرى أنّ نفسه وجميع الموجودات في عالم الكثرة قائمة بالله ومعلولة لله وهي تجليّات لذاته ولا وجود لها من نفسها، فهو يشعر بالكثرات القائمة بالله تعالى فيعطي عالم الكثرة حقّه ويعطي عالم الوحدة حقّه.
      ثمّ إنّ هناك قاعدتين أخريين لدى العرفاء: 
      مفاد إحداهما أنّ طيّ هذه المراحل قد يكون بالاختيار في عالم الدنيا عبر التربية و التزكية والسير والسلوك، وقد يكون قهرًا عبر الموت وعقبات البرزخ ونفخ الصور والقيامة. 
      ومفاد الثانية: أنّ ما يناله الإنسان في عالم البقاء بعد الفناء من إدراك للكثرة يتناسب مع ما كان قد أدركه في مرحلة ما قبل الفناء واطّلع عليه من قوانين عالم الكثرة، وأنّ ما يعرفه من الذات في مرحلة البقاء يتناسب مع ما بلغه من مراتب التوحيد في مرحلة الفناء، فإن بلغ الفناء الذاتي كان بقاؤه أتمّ، وإن بلغ الفناء في الصفات والأسماء كان بقاؤه فيها. 
      ويبدو أنّ سماحة السيّد رضوان الله عليه يتحدّث في اصطلاح البقاء الأتمّ هذا عن البقاء في الذات بعد الفناء في الذات وهو الأمر الذي اختصّ به النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله دون سائر الأنبياء وفتحه لأمّته من بعده. (لمزيد من التحقيق حول ذلك راجع: أسرار الملكوت ج٢ ص ٤٩٣، معرفة المعاد ج٦ ص ۱٦۰، ج۸ ص ٤۸) (م) 
    2. سورة الزمر (٣٩) الآية ٤٢.
    3. سورة السجدة (٣٢) الآية ۱۱.
    4. سورة المائدة (٥) الآية ۱۱۷.
    5. سورة النساء (٤) الآية ۱٥۷.