
كيف نفهم حقيقة التوحيد في المصائب؟
تحليل لقصّة موسى والخضر عليهما السلام
لمَ اعترض نبيّ الله موسى عليه السلام على أفعال الخضر، ولكنّه لم يعترض على الموت الطبيعي الذي يراه كل يوم؟ ما الفرق الجوهري بين رؤية النبي ورؤية العارف الكامل؟ ولماذا يُعدّ البلاء والصبر على الشدائد شرطًا أساسيًّا في السلوك إلى الله؟ وكيف يُمثّل صبر أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله قمّة التوحيد العملي والتسليم المُطلق؟ تجيبك هذه المحاضرة العرفانية القيّمة التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة العميقة، كاشفةً عن حقيقة النظرة التوحيديّة لمجريات الأحداث.
كيف نفهم حقيقة التوحيد في المصائب؟
11إذا أراد الإنسان أن يصل إلى نقطة التوحيد، فعليه أن يعلم أنّ هذه النقطة حارقة، تكوي الأكباد، فهل رأيتم تلك الآلة التي تلحّم الحديد وتذيبه؟ فكم فولتًا يجب أن يخرج منها لكي تذيب الحديد العجيب ذاك وتجعل نقطتين منه تلتحمان؟!
وعندما يقول مولانا جلال الدين الرومي في تلك الحكاية العجيبة، والتي نقلها السيّد العلامة في أول كتاب "الروح المجرد" الذي هو عن السيد الحداد رضوان الله عليه، وهي حكاية تفوق كلّ المثنوي، يقول:
از من ارکوه احد واقف بُدی *** پاره گشتی و جگر پرخون شدی حق همیگوید که ای مغرور کور *** نی زنامم پاره پاره گشت طور؟ يقول:
لو أن جبل أُحد عرفني *** لتفتّت وامتلأ جوفه دمًا
فالحقُّ يقول أيها المغرورُ الأعمى: *** ألم يتصدّع الطّورُ من اسمي؟
إنّ حقيقة نور التوحيد يجب أن تتجلّى في محل مستعد. وكيف يوجد هذا المحلّ المستعدّ؟ بالخبز والحلوى؟ كلا! بل هو محلٌّ قد غيّر نفسه حتّى النخاع، لقد أُنهك تمامًا.
كان المرحوم العلامة يقول: «كنّا في مجالس يقولون لنا فيها ما يشاؤون، وكنّا مكلّفين بعدم الجواب، فكنا ننظر بصمت، والطرف الآخر يظنّ أنه قد انتصر وغلب. عجيب! السيّد محمّد حسين لا يجيب، وهو يُهزَم علميًّا وأخلاقيًا ويُهان، ولكنّه لا يرد». كان يجب أن يجلس صامتًا. ولو أراد أن يردّ، لانتهى الأمر بكلمتين. طبعًا، لكلّ مقام مقال. وعندما تكون المسألة محورها النفس لا الحقّ والباطل، فعندها دع الخصم ينتصر، وليقل إنّ فلانًا أقوى، وليصبح هو الرئيس. دعك من هذا يا عزيزي. في النهاية، رحل العلامة ورحل ذاك، ورحل الجميع. فماذا الآن؟ هل تستطيع أن تعقد مجلسًا هناك وتتكلّم؟ في هذه الدنيا كنت تستطيع أن تطرح مسائل لتتقدّم، لكن ماذا عن الآخرة؟ فاذهب وافعلها هناك أيضًا. فمن الذي فاز في النهاية؟ الذي جلس ولم يتكلّم.
قمّة التوحيد العملي: لماذا سكت عليٌّ عليه السلام؟
كان باستطاعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله أن يحسم الأمر لصالحه في ساعتين. كان بإمكانه أن يقف عند باب مسجد المدينة ويشهر سيفه ويقول: «من كان يستطيع فليأتِ وليدخل هذا المسجد ويعتلِ هذا المنبر». فمن كان سيجرؤ؟! لكنّه لم يفعل ذلك، بل جلس في بيته. وأولئك الذين فرّوا من معركة أحد واختبأوا خلف جبال المدينة لثلاثة أيام، هم الذين أتوا ومزّقوا زوجته إربًا أمام عينيه ولم يرتفع له صوت. لماذا؟ لأنّ النبي صلَّى الله عليه وآله أوصاه: «يا علي! اصمت». لقد ضربوها وأحرقوا الباب. ويأتي شاعر النيل المصري ويفتخر أمام الملك فاروق فيقول: من يستطيع أن يفعل مثلما فعل عمر، الخليفة الثاني، حين وقف أمام فارس العرب وحاميها وضرب زوجته وأسقطها أرضًا؟ يعتبرون هذا فخرًا لهم!
