
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
نقدٌ لانحرافاتٍ معاصرة في فهمِ الدّينِ والوحدةِ
لماذا لا ينبغي للمؤمنِ أن يفخر بعملهِ على اللهِ تعالى؟ ما هو الشَّفيعُ الحقيقيُّ الذي ينبغي تقديمُهُ بينَ يدي اللهِ تعالى بدلًا عن الأعمالِ؟ وكيف تُصبِحُ رؤيتُنا للحياةِ والمجتمعِ والآخرينَ مختلفةً تمامًا عندما نُدرِكُ حقيقةَ الوُجودِ الرَّابط باللهِ تعالى؟ وما هو المفهومُ الصَّحيحُ للوحدةِ بينَ المُسلِمينَ؟ تُجيبُ هذهِ المحاضرةُ القيِّمةُ عن هذهِ الأسئلةِ العميقةِ، وتُقدِّمُ رؤيةً عرفانيّةً أصيلةً لمقامِ العُبوديّةِ والمحبّةِ الإلهيّةِ، مع نقدٍ بنّاءٍ لبعضِ المَفاهيمِ والمُمارَساتِ الخاطِئةِ في زمانِنا.
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
9لقد أكلتَ مِنَ السَّحورِ أيُّها المِسكينُ لدرجةِ أنَّكَ لم تكُنْ تَشتَهي الطَّعامَ أصلًا حتّى الغُروبِ! فبمَ تَمُنُّ على اللهِ تعالى؟! وما هذا الكلامُ؟! ذاكَ نَبيُّهُ صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ هوَ الذي كانَ يَصِلُ شَهرَ رَجَبٍ وشَعبانَ ورَمَضانَ ببعضِها، وكانَ في سائِرِ أيّامِ السَّنةِ أيضًا يَصومُ أغلَبَها، ولم يقل للّهِ: يا اللهُ لقد صُمتُ لكَ! وذلكَ في يومٍ تكونُ ساعاتُهُ عَشرًا أو إحدى عَشرةَ ساعةً، وذلكَ في هذهِ الأيّامِ أيضًا، أكلنا السَّحورَ حتّى امتَلَأنا، وعندما يَحينُ وقتُ الإفطارِ، نَرى للتَّوِّ هل نَشتَهي أصلًا أم لا. ثمّ نقول: يا اللهُ لقد صُمنا لكَ شَهرَ رَمَضانَ وصَلَّينا، فلماذا نقول ذلك؟! لأنَّ العَمَلَ الذي نقومُ بهِ يَحمِلُ رائِحةَ الكَثرةِ، وشائِبةَ الكَثرةِ، وشائِبةَ الانتِسابِ إلى النَّفسِ، فنحنُ قُمنا بهذا العَمَلِ. واللهُ تعالى غَيورٌ، وغَيرَةُ اللهِ تعالى لا تترُكُ غَيرًا لنَفسِهِ، غَيرَةُ اللهِ تعالى لا تَقبَلُ وُجودًا في مُقابِلِ وُجودِهِ. أنا صَلَّيتُ يا اللهُ! يقولُ اللهُ تعالى: أنتَ صَلَّيتَ؟ حَسَنًا، كلُّ ما فعلتَهُ هوَ مِنْ آثارِ وُجودي، فماذا فعلتَ أنتَ؟! قُدرَتُكَ هي آثارُ قُدرَتي. عندما تَنهَضُ لتُصَلِّيَ، هذهِ القُدرَةُ الموجودةُ فيكَ الآنَ والتي ظَهَرَتْ على شَكلِ صَلاةٍ، هي نُزولُ اسميَ الكُلِّيِّ "القَديرِ" الذي تجَلّى بشَكلٍ جُزئيٍّ في وُجودِكَ.
لو لم يتجَلَّ اسمي "القَديرُ" في وُجودِكَ، لكُنتَ مُلقًى على الأرضِ كالمَيِّتِ ولم تكُنْ تَستَطيعُ حتّى تحريكَ يَدِكَ، فهل رأيتُمْ! هل حدَثَ لكُمْ؟ أحيانًا تصيبُ الإنسانَ حالةُ ضَعفٍ، لقد حدَثَ لي. في قضيّةٍ ما أصابَتني وَعكةٌ صِحِّيَّةٌ، لم أكُنْ أستَطيعُ حتّى تحريكَ إصبَعي، كنتُ مُستَيقِظًا، مرَّتْ نِصفُ ساعةٍ حتّى استَطَعتُ فقط تحريكَ يَدي، كنتُ كالمَيِّتِ ولكن مَشاعِري كانت تَعمَلُ، كنتُ مُستَيقِظًا. ما هذا الكلامُ؟! حتّى يَنزِلَ اسمُ "القَديرِ" لا يُمكِنُكَ أن تَنهَضَ مِنْ مَكانِكَ، مَنِ الذي أقامَكَ مِنْ مَكانِكَ؟. حتّى يتنَزَّلَ اسمي "المُتَكَلِّمُ" في وُجودِكَ لا يُمكِنُكَ أن تتكَلَّمَ، حتّى يأتيَ اسمي "الحَيُّ" في هذهِ القَوالِبِ ويَنزِلَ بصورةٍ ضَعيفةٍ، ضَعيفةٍ ضَعيفةٍ ضَعيفةٍ، ولا تكونُ لديكَ القابِليّةُ لهذا المِقدارِ مِنَ الحِصَّةِ والسِّعَةِ الوُجوديّةِ، لا يُمكِنُكَ أن تكونَ حَيًّا، فما بالُكَ بأن تُصَلِّيَ. تكونُ مُلقًى على الأرضِ كالحَجَرِ! اذهَبوا إلى المَقابِرِ والمَغاسِلِ وانظُروا، هؤلاءِ الأمواتُ الذينَ يُؤتى بهِم إلى هُناكَ، هذا كانَ يَمشي في الشّارِعِ صَباحًا، والآنَ مُلقًى هُنا لا يَستَطيعُ أن يَرمِشَ بجَفنِهِ، بالأمسِ كانَ يَمشي ويتحدَّثُ معَنا. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾۱. عندما يأتي الأجَلُ، يتبَدَّلُ اسمُ "الحَيِّ" إلى اسمِ "المُميتِ"، تَنزِلُ الإماتَةُ وتَظهَرُ في هذا الإنسان، فيَسقُطُ على الأرضِ. كلُّ فِعلٍ يَصدُرُ مِنَ الإنسانِ هوَ نُزولٌ لاسمٍ أو صِفةٍ كُلِّيَّةٍ للّهِ تعالى تجَلَّتْ وخرَجَتْ مِنَ الإنسانِ.
- سورة النحل (۱٦) الآية ٦۱
