
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
نقدٌ لانحرافاتٍ معاصرة في فهمِ الدّينِ والوحدةِ
لماذا لا ينبغي للمؤمنِ أن يفخر بعملهِ على اللهِ تعالى؟ ما هو الشَّفيعُ الحقيقيُّ الذي ينبغي تقديمُهُ بينَ يدي اللهِ تعالى بدلًا عن الأعمالِ؟ وكيف تُصبِحُ رؤيتُنا للحياةِ والمجتمعِ والآخرينَ مختلفةً تمامًا عندما نُدرِكُ حقيقةَ الوُجودِ الرَّابط باللهِ تعالى؟ وما هو المفهومُ الصَّحيحُ للوحدةِ بينَ المُسلِمينَ؟ تُجيبُ هذهِ المحاضرةُ القيِّمةُ عن هذهِ الأسئلةِ العميقةِ، وتُقدِّمُ رؤيةً عرفانيّةً أصيلةً لمقامِ العُبوديّةِ والمحبّةِ الإلهيّةِ، مع نقدٍ بنّاءٍ لبعضِ المَفاهيمِ والمُمارَساتِ الخاطِئةِ في زمانِنا.
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
8قصّة تشييع مولانا: لماذا قالت كلّ طائفة "مولانا لنا"؟
مَولانا كانَ هكذا. وَرَدَ في سيرَتِهِ، لم أكُنْ أعلَمُ هذا، العامَ الماضي وصَلَني كِتابٌ عنه، وبينما كنتُ أقرَأُ سيرَتَهُ رأيتُ هذا الأمرَ. وَرَدَ في سيرَتِهِ أنّهُ عندما تُوُفِّيَ، جاءَ اليَهودُ والنَّصارى وأهلُ السُّنَّةِ والشِّيعةُ جميعًا حُفاةَ الأقدامِ في تَشييعِهِ. فقالَ لهُمُ المُسلِمونَ: لماذا جِئتُمْ أنتُم؟! ثمَّ كادَ يَحدُثُ شِجارٌ و قالوا هُم: لا تَظُنُّوا أنَّ مَولانا كانَ لكُمْ، فمَولانا كانَ لنا، فاليَهود قالوا: كانَ مَولانا لنا، والنَّصارى قالوا: كانَ مَولانا لنا. قالوا: ما سَمِعناهُ مِنْ موسى عليهِ السلامُ وجَدناهُ في هذا الرَّجُلِ، وما سَمِعناهُ مِنْ عيسى عليهِ السلامُ وجَدناهُ في هذا الرَّجُلِ، وما سَمِعناهُ مِنَ النَّبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وجَدناهُ في هذا الرَّجُلِ. هكذا كانوا يَسلُكونَ معَ النّاسِ وكانوا معَ النّاسِ ويتواصَلونَ معَ النّاسِ. هذا يُصبِحُ عارِفًا، وذلكَ الذي يَجذِبُ القُلوبَ نَحوَ الإسلامِ. لا يُنَفِّرُ النّاسَ ولا يُبَغِّضُهُم مِنَ الإسلامِ ومِنَ اللهِ، ومِنَ الأُصول والمبادئ والمِلاكاتِ. هذا يُصبِحُ عارِفًا، وذلكَ الذي يتحدَّثُ معَ أرواحِ النّاسِ، يتحدَّثُ معَ فِطرةِ النّاسِ، ويَجذِبُهُم مِنْ باطِنِهِم نَحوَ اللهِ. الوَحدةُ بهذا المَعنى.
هل زيارة عاشوراء تخالف الوحدة؟
والآنَ زِيارَةُ عاشوراءَ أيضًا لم تَعُدْ جُزءًا مِنَ الإسلامِ، وصارت تُخالِفُ التَّقيّةَ والوحدةَ، ومَنْ قالَ إنَّ الإمامَ عليهِ السلامُ نطق بهذهِ الكلمات؟! فهذهِ اختَرَعَها هؤلاءِ النّاسُ أنفُسُهُم، هؤلاءِ النّاسُ المُتَحَمِّسونَ هُم مَنِ اختَرَعوا زِيارَةَ عاشوراءَ.
حَسَنًا، فهؤلاءِ أيضًا شيعَتُنا! تفضَّلوا! وهذا أيضًا هوَ مِقدارُ مَعرِفتهم بزِيارَةِ عاشوراءَ التي يَعتَبِرُها البعضُ تاليةً للوَحيِ أصلًا، فمسألةُ زِيارَةِ سَيِّدِ الشُّهَداءِ عليهِ السلامُ يوم عاشوراء، بعضُ الأعاظِم كانوا يَعتَبِرونَها مِثلَ القُرآنِ. فكم كانَ المَرحومُ السَّيِّدُ الحَدّادُ يُؤَكِّدُ على زِيارَةِ عاشوراءَ، أحدُ تَوجيهاتِهِ كانَ قِراءةَ زِيارَةِ عاشوراءَ مرَّةً واحدةً في الأُسبوعِ على الأقلِّ، وذلكَ مع مِائةِ لَعنٍ ومِائةِ سَلامٍ. ثمَّ يقولونَ هؤلاءِ ليسوا أهلَ وَلايةٍ! والعُرَفاءُ! يَقرَؤونَ القُرآنَ فقط ولا عَلاقةَ لهُم بالإمامِ الحُسَينِ عليهِ السلامُ!
إعادة التأكيد: لماذا لا نُحاسَب على الأعمال بل على النوايا؟
إذًا، العَمَلُ الذي يريدُ الإنسانُ أن يقومَ بهِ، إذا أرادَ أن يَحسِبَ له حسابًا، فإنَّ اللهَ تعالى أيضًا سيأتي ويَضَعُهُ تحتَ المِجهَرِ، لماذا؟ لأنَّ العَمَلَ الذي يقومُ بهِ الإنسانُ لهُ نِسبةٌ إليهِ تعالى، فرغمَ أنَّ كلَّ التَّوفيقاتِ مِنهُ، لكنَّنا لم نَعُدْ نَحسِبُ هذهِ التَّوفيقاتِ، لو كنّا نَحسِبُها لما جِئنا لنَعرِضَها أمامه. رغمَ أنَّ القُدرَةَ مِنهُ والتَّوفيقَ والهِمَّةَ والقِيامَ والقُعودَ مِنهُ، العِشقَ والمَحَبَّةَ للعِبادةِ مِنهُ، هذهِ كلُّها مِنهُ ونحنُ نَعلَمُ هذا، نَعلَمُ ومعَ ذلكَ نقولُ: يا اللهُ لقد جِئنا وصَلَّينا لكَ، وقد مَضى علينا شَهرُ رَمَضانَ وصُمنا مِنَ الصَّباحِ إلى المَساءِ. يا إلهي أيَّ مَصائِبَ مرَّتْ بنا؟!
