
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
نقدٌ لانحرافاتٍ معاصرة في فهمِ الدّينِ والوحدةِ
لماذا لا ينبغي للمؤمنِ أن يفخر بعملهِ على اللهِ تعالى؟ ما هو الشَّفيعُ الحقيقيُّ الذي ينبغي تقديمُهُ بينَ يدي اللهِ تعالى بدلًا عن الأعمالِ؟ وكيف تُصبِحُ رؤيتُنا للحياةِ والمجتمعِ والآخرينَ مختلفةً تمامًا عندما نُدرِكُ حقيقةَ الوُجودِ الرَّابط باللهِ تعالى؟ وما هو المفهومُ الصَّحيحُ للوحدةِ بينَ المُسلِمينَ؟ تُجيبُ هذهِ المحاضرةُ القيِّمةُ عن هذهِ الأسئلةِ العميقةِ، وتُقدِّمُ رؤيةً عرفانيّةً أصيلةً لمقامِ العُبوديّةِ والمحبّةِ الإلهيّةِ، مع نقدٍ بنّاءٍ لبعضِ المَفاهيمِ والمُمارَساتِ الخاطِئةِ في زمانِنا.
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
2أعوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ
و صلَّى اللهُ عَلَى سيّدِنا و نبيِّنا أبي القاسمِ مُحَمّدٍ
و على آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ
و اللَّعنةُ عَلَى أعدائِهم أجمَعينَ
«مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ وحُبّي لَكَ شَفيعي إلَيكَ وأنا واثِقٌ مِن دَليلي بِدَلالَتِكَ وساكِنٌ مِن شَفيعي إلى شَفاعَتِكَ»
لماذا لا ينبغي حساب الأعمال عند الله؟
تقدّم للرفقاء أنّهُ في مَقامِ العَرضِ والحسابِ، لا ينبغي للإنسانِ أن يَحسِبَ عَمَلَهُ عندَ اللهِ تعالى، لأنّهُ إذا أرادَ حقًّا أن يَحسِبَ هذا العملَ، فإنَّ اللهَ تعالى سيُدَقِّقُ في الأمرِ كثيرًا ويُحاسِبُهُ على الصغيرةِ والكبيرةِ وهو يُدقّق النظر جيّدًا. وإن لم يُرِد ذلكَ، وأرادَ أن يَحسِبَ أعمالَهُ مجازًا، فمِنَ الأفضلِ ألاّ يفعلَ. حقًّا، إذا أرادَ الإنسانُ أن يَعرِضَ عَمَلَهُ على اللهِ تعالى، فإنَّ اللهَ تعالى سيَضَعُ إصبعَهُ على ذلكَ العملِ نفسِهِ، ويُظهِرُ النقاطَ التي كانَ الإنسانُ على عِلمٍ بها وغَضَّ الطَّرْفَ عنها وأغمَضَ عينيهِ وتجاوَزَها، أو تلكَ الأمورَ التي كانت خَفِيَّةً جدًّا لدرجةِ أنّهُ ربّما لم تَظهَرْ لهُ، سيُظهِرُها اللهُ تعالى للإنسانِ ويُوَضِّحُ أنَّ هذا العملَ لم يكن معلومًا أنّه كانَ لوجهِ اللهِ أم لغيرِهِ.
قصّة محاولة توسعة المسجد: مثال على حساب الأعمال يوم القيامة
أتذكَّرُ أنّه كانَ المرحومُ العلامة فيما مضى بحاجةٍ إلى مكانٍ لبعضِ الأمورِ والأعمالِ والأنشطةِ التي أرادَ القيامَ بها. فذهبنا معَ أحدِ الذينَ كانوا في المسجدِ عندَ المرحومِ العلامةِ إلى أحدِ المسؤولينَ عن بعضِ الأماكنِ، وجلسنا وتحدَّثنا معهُ حولَ هذا المكانِ الواقعِ خلفَ المسجدِ، وقلنا لهُ إنَّ هذا المكانَ لا فائدةَ منهُ الآنَ، ولسنواتٍ طويلةٍ لم تَسكُنْ فيهِ سوى عائلةٌ واحدةٌ، وهُناكَ بعضُ الحيواناتِ فيهِ، وهو تابعٌ لوقفٍ، وهُناكَ بعضُ المواردِ التي لم تُستَخدَمْ حتّى الآنَ ومتروكٌ منذُ عشراتِ السنينَ، فقُمْ بضَمِّهِ إلى المسجدِ حتّى تَستفيدَ الأنشطةُ التي يقومُ بها المسجدُ من منافعِهِ، وكذلكَ يُستفادُ من هذا المكانِ الموحِشِ والمتروكِ. على أيِّ حالٍ، تمَّ الحديثُ وتمَّ الاتّفاقُ على مُتابَعةِ الموضوعِ. كانَ هذا في نفسِ الوقتِ الذي بدأ فيهِ المرحومُ العلامة رضوانُ اللهِ عليهِ بعضَ الأنشطةِ وكانَ من المقرَّرِ القيامُ ببعضِ الأعمالِ واتّخاذُ بعضِ الإجراءاتِ الثقافيّةِ، ونُشِرَتْ في ذلكَ الوقتِ أيضًا رسالةٌ، لا أعلمُ هل رآها الرفقاءُ أم لا، وشخصيّةُ المرحومِ العلامةِ لم تكُنْ مجهولةً، بل كانت معروفةً بينَ الناسِ، والذينَ راجَعناهُم كانوا جميعًا من أصدقائِهِ، وكانت بينَهُم علاقةٌ ومودَّةٌ منذُ القِدَمِ، وكانَ هُناكَ تواصُلٌ وزياراتٌ مُتبادَلةٌ، فأحيانًا يأتونَ إلى منزلِنا وأحيانًا نذهَبُ إلى منزلِهِم، ولم يكُنِ الأمرُ مجهولًا.
