
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
نقدٌ لانحرافاتٍ معاصرة في فهمِ الدّينِ والوحدةِ
لماذا لا ينبغي للمؤمنِ أن يفخر بعملهِ على اللهِ تعالى؟ ما هو الشَّفيعُ الحقيقيُّ الذي ينبغي تقديمُهُ بينَ يدي اللهِ تعالى بدلًا عن الأعمالِ؟ وكيف تُصبِحُ رؤيتُنا للحياةِ والمجتمعِ والآخرينَ مختلفةً تمامًا عندما نُدرِكُ حقيقةَ الوُجودِ الرَّابط باللهِ تعالى؟ وما هو المفهومُ الصَّحيحُ للوحدةِ بينَ المُسلِمينَ؟ تُجيبُ هذهِ المحاضرةُ القيِّمةُ عن هذهِ الأسئلةِ العميقةِ، وتُقدِّمُ رؤيةً عرفانيّةً أصيلةً لمقامِ العُبوديّةِ والمحبّةِ الإلهيّةِ، مع نقدٍ بنّاءٍ لبعضِ المَفاهيمِ والمُمارَساتِ الخاطِئةِ في زمانِنا.
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
16"وإن أدخلتني النار أعلمت أهلها أنّي أحبّك": ذروة التعلّق بالمحبّة
أميرُ المُؤمِنينَ عليهِ السلامُ حقًّا عَجيبٌ، يقولُ الإمام في المُناجاةِ الشَّعبانيّةِ: «وَإِنْ أَدْخَلْتَنِي النّارَ أَعْلَمْتُ أَهْلَها أَنّي أُحِبُّكَ».۱ إذا ألقَيتَني في النّارِ فسأُخبِرُ أهلَها جميعًا بأنّني كنتُ أمتَلِكُ صِفةً لا يَستَطيعُ اللهُ تعالى إنكارَها، وهي أنّني كنتُ أُحِبُّكَ. فأيَّ حالٍ في نفسه يُعَبِّرُ عنهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليهِ السلامُ في هذهِ الفِقرةِ؟! فأميرَ المُؤمِنينَ عليهِ السلامُ عندما يقولُ هذا، هوَ في حالةٍ لا يَرى فيها سوى جانِبَ المَحَبَّةِ التي في قَلبِهِ تُجاهَ اللهِ تعالى كرأسِ المالِ الوَحيدِ والمُدَّخَرِ الوُجوديِّ الوَحيدِ، ولا يَرى شيئًا آخرَ. الأئمّةُ عليهمُ السلامُ لم يكونوا يُمَثِّلونَ أفلامًا، بل كانوا يحكون حالَتهُم، أي ما في ضَميرِهِ يُعَبِّرُ عنهُ. أميرُ المُؤمِنينَ عليهِ السلامُ يُناجي اللهَ تعالى، والآنَ وصَلَ إلى أسماعِنا ونحنُ نَقرَؤُهُ أيضًا. في ذلكَ الوقتِ الذي كانَ الإمام يُناجي اللهَ تعالى، لم يكُنْ يَبحَثُ عن تَزيينِ للعِبارةِ، كانَ يُعَبِّرُ عن حالِهِ في ذلكَ الوقتِ. وبَعدَ ذلكَ، ببَرَكةِ وُجودِهِم، وصَلَتْ هذهِ الأمورُ إلينا ونحنُ نَقرَؤُها أيضًا. فالإمامُ السَّجّادُ عليهِ السلامُ لم يأتِ ليُعلِنَ دُعاءَ أبي حَمزةَ للجَميعِ في وَسائِلِ الإعلامِ مِثلَنا، كلُّ كَلِمةٍ نقولُها يجِبُ أن تَنتَشِرَ في العالَمِ كلِّهِ غَدًا. هُم لم يكونوا هكذا! فالإمامُ السَّجّادُ عليهِ السلامُ كانَ يَقرَأُ دُعاءَ أبي حَمزةَ، وببَرَكةِ الأئمّةِ عليهمُ السلامُ وصَلَ دُعاءُ أبي حَمزةَ هذا إلينا، كتَبَهُ الأصحابُ ووصَلَ إلينا. أدعيةُ الإمامِ السَّجّادِ عليهِ السلامُ كُتِبَتْ، ووصَلَتْ إلينا الصَّحيفةُ السَّجّاديّةُ. الآنَ فلنَنظُرْ نحنُ إلى حالِهِم في ذلكَ الوقتِ الذي كانوا يَقرَؤونَ فيهِ ذلكَ الدُّعاءَ. هذا أميرُ المُؤمِنينَ عليهِ السلامُ يقولُ: «أَعْلَمْتُ أَهْلَها أَنّي أُحِبُّكَ». أنا كنتُ أُحِبُّكَ. كانَ لأميرِ المُؤمِنينَ عليهِ السلامُ في ذلكَ الوقتِ تعَلُّقٌ باللهِ تعالى بحيثُ كانَ يَرى أنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ الذي يَربِطُهُ باللهِ هوَ المَحَبَّةُ التي بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى. هذهِ المَحَبَّةُ هي مِنَ اللهِ تعالى في قَلبِهِ، وفقط هذا ولا شيء آخرُ، وهو لا يَعتَمِدُ على بُكائِهِ، ولا على صَلاتِهِ، ولا على مُناجاتِهِ في مَسجِدِ الكوفةِ، بل يقول فقط: يا اللهُ، هذا لا يُمكِنُكَ إنكارُهُ، أنّني كنتُ أُحِبُّكَ. ولكنَّنا هُنا نقولُ شيئًا آخرَ. أميرُ المُؤمِنينَ عليهِ السلامُ صادِقٌ في مَحَبَّتِهِ أيضًا. نحنُ نقولُ: "نقولُ إنَّنا نُحِبُّكَ". إذا قالَ اللهُ تعالى: "لا! أنت تقول مَجازًا". نقولُ: "يا اللهُ، صَحيحٌ، ربَّما تكونُ مَحَبَّتُنا هذهِ مَجازيّةً". إذا كانتِ المَحَبَّةُ مَحَبَّةً صادِقةً، فلها أمورٌ وآثارٌ ـ وإنْ شاءَ اللهُ أعدُكم ببيانها في المُستَقبَلِ وهو في ذمّتي للرُّفَقاءِ ـ ولكن هذهِ المَحَبَّةِ المَجازيّةِ، هل يُمكِنُكَ إنكارُها أيضًا أم لا؟ هُم بكَرَمِهِم يَقبَلونَ هذهِ المَحَبَّةَ وإنْ كانت مَجازيّةً، ولكن بشرط أن تَكُون موجودةً، لا ألّا تكونَ موجودةً، فهذهِ المَحَبَّةُ المَجازيّةُ يَقبَلونَها هُم أيضًا.
- بحار الأنوار،ط إحياء التراث، ج : ٩۱ ص ٩۸
