
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
نقدٌ لانحرافاتٍ معاصرة في فهمِ الدّينِ والوحدةِ
لماذا لا ينبغي للمؤمنِ أن يفخر بعملهِ على اللهِ تعالى؟ ما هو الشَّفيعُ الحقيقيُّ الذي ينبغي تقديمُهُ بينَ يدي اللهِ تعالى بدلًا عن الأعمالِ؟ وكيف تُصبِحُ رؤيتُنا للحياةِ والمجتمعِ والآخرينَ مختلفةً تمامًا عندما نُدرِكُ حقيقةَ الوُجودِ الرَّابط باللهِ تعالى؟ وما هو المفهومُ الصَّحيحُ للوحدةِ بينَ المُسلِمينَ؟ تُجيبُ هذهِ المحاضرةُ القيِّمةُ عن هذهِ الأسئلةِ العميقةِ، وتُقدِّمُ رؤيةً عرفانيّةً أصيلةً لمقامِ العُبوديّةِ والمحبّةِ الإلهيّةِ، مع نقدٍ بنّاءٍ لبعضِ المَفاهيمِ والمُمارَساتِ الخاطِئةِ في زمانِنا.
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
14وقفة مع بعض عادات التعزية بالأموات
تمامًا كما يجري في المآتم، فعندما يُشارِكُ الإنسانُ في مَأتم، يَرى حولَ المَسجِدِ كلّه لافتات أن "أصحاب المهنة الفُلانيّة يُعَزّونَ السَّيِّدَ فُلانًا بوَفاةِ والِدةِ زَوجةِ عَمَّةِ خالةِ ابنِ عَمِّ حَفيدِ أفراسيابَ"، وموظّفو كذا عَزَّوْا، والآخَرُون هَنَّؤوا...
كلُّ مَجالِسِنا أصبَحَتْ مَسرَحًا ولافتاتٍ وأقمِشةً، والذينَ يَجلِسونَ في المأتم بَدَلًا مِنْ أن يَقرَؤوا القُرآنَ ويَطلُبوا الرَّحمَةَ والمَغفِرَةَ، يجِبُ أن يُديروا أعيُنَهُم ويَقرَؤوا هذهِ اللافتات واحدةً واحدةً: بائِعو المَساميرِ والقَصّابونَ وبائِعو اللَّبَنِ و... عَزَّوْا...۱ فما هذهِ السخريةُ؟! لماذا؟ لأنَّ كلَّ هؤلاءِ في الكَثَراتِ. حَسَنًا يا هذا قُمْ واقرَأِ الحَمدَ والسّورَةَ مثل الناس واذهَبْ، ولا داعيَ لهذهِ الألاعيبِ، فلا لافِتاتٍ ولا زهور! اقرَأْ فاتِحةً ليَصِلَ شيءٌ لذلكَ المَيِّتِ المِسكينِ. كلُّنا عالِقونَ في هذهِ الكَثَراتِ، كلُّنا في هذا المَجيءِ والذَّهابِ. لا مَجالِسُنا فيها روحٌ، ولا نورٌ، ولا فيها تَقوى! أحَدُهُم أخَذَ الميكروفونَ بيَدِهِ، وكلُّ مَنْ يَدخُلُ يقول عنه: "لأجل سلامة السَّيِّدِ فُلانٍ صَلّوا على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ"، "فليتفضَّلِ الأُستاذُ فُلانٌ بقِراءةِ بضعةِ أبياتِ من الشِعرٍ"، و"ذلكَ السَّيِّدُ أفادَنا، وتفضَّلَ علينا!". فماذا حدَثَ؟! حقًّا ماذا حدَثَ؟! كلُّ مَجالِسِنا تحَوَّلَتْ إلى هذهِ الأقوالِ والكَثَراتِ.
سرّ التّأكيد على إظهار المحبّة دون غيرها من الأعمال
الشَّيءُ الوَحيدُ مِنْ بينِ كلِّ هذا، نُنفِقُ ولا يَعلَمُ أحَدٌ، نُصَلّي ولا نُعلِمُ، نَصومُ ولا نتظاهَرُ، نَحُجُّ ولا يكونُ تظاهُر، الحَجُّ يَعني أصلًا الاختِفاءَ، تدفع الخُمسَ ولا يجِبُ أن تُعلِنَ، تدفع الزَّكاةَ، فأعطِها خُفيَةً. في كلِّ هذهِ الأمورِ نَرى جانِبَ الإخفاءِ، ولكنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ يقولُ: "اذهَبْ إلى مَنْ تُحِبُّهُ وقُلْ لهُ". لمَ هذا؟ فالذي تُحِبُّهُ وصَديقُكَ الذي تُحِبُّهُ وتكنّ له محبّة، قُلْ لهُ: "أنا أُحِبُّكَ، أشتاقُ إليكَ، اللهُ تعالى ألقى مَحَبَّتَكَ في قَلبي". لماذا؟ لأنَّهُ لا يَعلَمُ، ليسَ لديهِ عِلمُ الغَيبِ. بمُجَرَّدِ أن تُظهِرَ هذهِ المَحَبَّةَ، هوَ أيضًا سيَجِدُ في نَفسِهِ مِثلَ هذهِ الحالةِ نحوك. عندما يُصبِحُ الأمرُ مُتبادَلًا، تَحدُثُ الأُلفَةُ بينَ القُلوبِ. الشَّيءُ الوَحيدُ في عالَمِ الكَثرةِ الذي ليسَ لهُ جانِبٌ كَثرَتيٌّ وذَكَرَهُ الأعاظمُ هوَ مسألةُ المَحَبَّةِ. أعتَقِدُ أنَّ الأمرَ يجِبُ أن نُؤَجِّلَهُ للعامِ القادِمِ إذا وُفِّقنا، كيفَ أنَّهُ لا توجدُ كَثرةٌ في مسألةِ المَحَبَّةِ، ولكن سأعرِضُ رِوايةً على الرُّفَقاءِ ليَعرِفوا قَدرَ هذهِ المَحَبَّةِ ويَعلَموا لماذا اختارَ الإمامُ السَّجّادُ عليهِ السلامُ المَحَبَّةَ مِنْ بينِ الصِّفاتِ التي يُمكِنُ أن تَظهَرَ في الإنسانِ.
- هذا من العادات الشائعة في إيران، فإذا توفّي أحدهم علّق أصحابه على جدران بيته هذه اللافتات وعندما يقام له مجلس عزاء في المسجد تعلّق أيَضًا أمام المسجد لافتات مشابهة وتختلف كثرة وقلّة بحسب المستوى الاجتماعيّ للمتوفّى. (م)
