
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
نقدٌ لانحرافاتٍ معاصرة في فهمِ الدّينِ والوحدةِ
لماذا لا ينبغي للمؤمنِ أن يفخر بعملهِ على اللهِ تعالى؟ ما هو الشَّفيعُ الحقيقيُّ الذي ينبغي تقديمُهُ بينَ يدي اللهِ تعالى بدلًا عن الأعمالِ؟ وكيف تُصبِحُ رؤيتُنا للحياةِ والمجتمعِ والآخرينَ مختلفةً تمامًا عندما نُدرِكُ حقيقةَ الوُجودِ الرَّابط باللهِ تعالى؟ وما هو المفهومُ الصَّحيحُ للوحدةِ بينَ المُسلِمينَ؟ تُجيبُ هذهِ المحاضرةُ القيِّمةُ عن هذهِ الأسئلةِ العميقةِ، وتُقدِّمُ رؤيةً عرفانيّةً أصيلةً لمقامِ العُبوديّةِ والمحبّةِ الإلهيّةِ، مع نقدٍ بنّاءٍ لبعضِ المَفاهيمِ والمُمارَساتِ الخاطِئةِ في زمانِنا.
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
11ثمرات رؤية الأصل الإلهي في الأفعال: كيف تتغيّر نظرتنا للأمور؟
عندما أتحدَّثُ، حينَها إذا نَعِسَ أحَدُهُم أيضًا فلن أنزعج. عندما أتحدَّثُ، إذا فَهِمَ أحَدُهُمُ الأمرَ بشَكلٍ مُختَلِفٍ، فلن أتضايَقَ بعدَ الآنَ، لماذا؟ لأنّني رَبَطْتُ هذا الجُزئيَّ بهِ، والأمرُ لا عَلاقةَ لهُ بالكَثرةِ. عندما أتحدَّثُ، إذا قَلَّ العَدَدُ أو زادَ، وجاءَ يومًا مِائة ويومًا خَمسونَ، فلن أتضايَقَ بعدَ الآنَ. لماذا؟ لأنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن تَظهَرَ في الخارِجِ في ذلكَ اليومِ خَمسونَ صورةً جُزئيّةً، فما عَلاقَتي أنا بذلكَ؟! غَدًا سَبعونَ وبعدَ غَدٍ سَبعُمِائةِ من الحضور! أصلًا ما عَلاقةُ ذلكَ بي؟ أنا يجِبُ أن أتحدَّثَ وأقولَ ما أنتهي إليه، سَواءٌ كان الحاضرون سَبعينَ أم سَبعمِائةٍ، هل يُنفَقُ مِنْ جيبي؟! ليَقِلَّ العَدَدُ أو يَزِدْ. انظُروا كم تتغَيَّرُ المُعادَلاتُ، وكم تتغَيَّرُ الأمورُ، وكم تتبَدَّلُ العَلاقاتُ؟! كم تَرتَفِعُ التَّوَقُّعاتُ وتَنخَفِضُ، كلُّ هذهِ الأمورِ تعودُ إلى الكَثرةِ، أي أنَّ المَقامَ الذي يجِبُ أن أكونَ فيهِ لستُ فيهِ، والمَقامَ الذي يجِبُ أن تكونوا فيهِ لستُمْ فيهِ، لذا يَحدُثُ الخِلافُ. أمّا إذا استَقَرَّ كلٌّ مِنَ الطَّرَفَينِ في مَقامِهِ في عالَمِ الوُجودِ، يُصبِحُ المَقامُ رَفيعًا، وُجودًا رابِطًا۱.
الوُجود الرَّابط: كيف يُحَوِّل عالَمَنا إلى جنّة؟
وُجودُنا وُجودٌ رابِطٌ وفَقريٌّ، إذا استَقَرَّ كلٌّ مِنّا ومِنكُم والبَقيّةُ في مَقامِهِ، حينَها تُصبِحُ الدُّنيا جَنَّةَ نَعيمٍ وحُكومةَ الإمامِ المَهديِّ عجّل الله تعالى فرجه، ما شاءَ اللهُ. فالإمامُ المَهديُّ عليه السلام عندما يأتي، العَمَلُ الذي يقومُ بهِ هوَ أنّهُ يَضَعُ كلَّ فَردٍ في مَقامِهِ، كلَّ إنسان في مَقامِهِ. فإذا قالَ لأحَدِهِم: "واجِبُكَ أن تَسقيَ هذهِ الأشجارَ"، لا يَفرُقُ ذلكَ عندَهُ عنِ الذي يقولُ لهُ: "اذهَبْ وكُنْ مُحافِظًا أو حاكِمًا على بَلَدٍ مِثلِ فَرَنسا، اللَّهُمَّ ارزُقنا. (مزاح) الآنَ لا أعلَمُ هل يَفرُقُ ذلكَ عِندَنا أم لا؟ إنْ شاءَ اللهُ أنه لا يَفرُقَ. يقولُ لأحَدِهِم: "واجِبُكَ أن تأخُذَ هذهِ السِّلالَ الموجودةَ هُنا وتَضَعَها في أوَّلِ الزُّقاقِ وتَجمَعَها مِنَ المَنازِلِ، وفي اللَّيلِ السّاعةَ التّاسِعةَ والنِّصفَ تأتي السَّيّارةُ لتأخُذَها"، لا يَفرُقُ ذلكَ عن أن يأتيَ ويُعطيَهُ حُكمَ مِنْطَقةٍ كبيرةٍ. لا ذلكَ الذي ذهَبَ إلى تلكَ المِنطَقةِ يَشعُرُ بالاستِعلاءِ والعُلُوِّ والتَّفَوُّقِ على هذا، ولا هذا يَشعُرُ بالذِّلَّةِ والحَقارةِ تُجاهَهُ، كِلاهُما واحدٌ. بل هذا أسهَلُ، يقولُ: "جَزاكَ اللهُ خيرًا يا إمامَ الزَّمانِ!". في عصر الإمامِ المَهديِّ عجّل الله فرجه، تعودُ المَسؤوليّاتُ على أساسِ الجانِبِ الرَّبطيِّ، لا على أساسِ أنانيّةِ الجانِبِ الاستِقلاليِّ. الوُجودُ الذي نشعر به الآنَ أنّه لأنفسنا هو ـ كما يقولُ الرُّفَقاءُ من الطلاّب ـ "وُجودٌ في نَفسِهِ لنَفسِهِ بنَفسِهِ"، وقد تفَوَّقنا به على اللهِ تعالى! (مزاح) فذلكَ الوُجودُ يَختَصُّ باللهِ تعالى فقط، وهو الوُجودُ الاستِقلاليُّ القائِمُ بالذّاتِ. فكلُّ واحدٍ مِنّا يرى أنّ وُجودَهُ وُجودٌ استِقلاليٌّ غيرُ مُتَدَلٍّ باللهِ تعالى وهو قائِمٌ بذاتِهِ وصاحِبُ اختيارٍ في كلِّ شيءٍ، هذا هوَ حال وُجودُ الجَميعِ! وُجودُنا الواقِعيُّ هوَ وُجودٌ فَقريٌّ، أي لا وُجودَ لهُ أصلًا غيرَ تجَلّي تلكَ الذّاتِ والوُجودِ البَحتِ البَسيطِ. لا شيء، إنّهُ ظِلٌّ، ظِلٌّ مِنَ الشَّمسِ سَقَطَ، الظِّلُّ ليسَ لهُ شيءٌ مِنْ نَفسِهِ، هوَ نَفسُ النّورِ الذي تجَلّى في الخارِجِ بصورةٍ ضَعيفةٍ.
- اصطلاح فلسفي يعني الوجود القائم بغيره والذي لا استقلال له في ذاته، بل هو عين الربط المحض والتعلق بغيره (م)
