
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
نقدٌ لانحرافاتٍ معاصرة في فهمِ الدّينِ والوحدةِ
لماذا لا ينبغي للمؤمنِ أن يفخر بعملهِ على اللهِ تعالى؟ ما هو الشَّفيعُ الحقيقيُّ الذي ينبغي تقديمُهُ بينَ يدي اللهِ تعالى بدلًا عن الأعمالِ؟ وكيف تُصبِحُ رؤيتُنا للحياةِ والمجتمعِ والآخرينَ مختلفةً تمامًا عندما نُدرِكُ حقيقةَ الوُجودِ الرَّابط باللهِ تعالى؟ وما هو المفهومُ الصَّحيحُ للوحدةِ بينَ المُسلِمينَ؟ تُجيبُ هذهِ المحاضرةُ القيِّمةُ عن هذهِ الأسئلةِ العميقةِ، وتُقدِّمُ رؤيةً عرفانيّةً أصيلةً لمقامِ العُبوديّةِ والمحبّةِ الإلهيّةِ، مع نقدٍ بنّاءٍ لبعضِ المَفاهيمِ والمُمارَساتِ الخاطِئةِ في زمانِنا.
لماذا صحّ أن نفخر بحبّنا لله دون أعمالنا؟
10كيف نرى تجلّي الأسماء الإلهية في أفعالنا؟
ذلكَ الذي يَرى الجانِبَ الكُلِّيَّ عندما يَنظُرُ إلى هذا وهوَ يُصَلِّي، يُشاهِدُ ذلكَ الحَبلَ. أمّا نحنُ فلا! نحنُ لا نَرى ذلكَ الحَبلَ ولا نَرى ذلكَ الخَطَّ. أنا الآنَ أتحدَّثُ إليكُم، وأنتُم تَسمَعونَ كلامي وتُفَكِّرونَ فيهِ وتتأمَّلونَ هل هوَ صَحيحٌ أم لا؟ ليسَ مِنْ المَعلوم أنَّ كلَّ ما نقولُهُ صَحيحٌ. أنتُم الآنَ تقولونَ إنَّ فُلانًا يتحدَّثُ ويقولُ هذا الكلام، وكم يتحدَّثُ جيِّدًا! فهذا ما تقولونَهُ أنتُم، ولكن لو كانت لديكُم عينُ البَصيرةِ، لما قُلتُمْ عن هذا الكلامِ الذي أقولُهُ كم يتحدَّثُ السَّيِّدُ جيِّدًا! هذا الكلامُ يُصبِحُ ذَنبًا وخَطَأً وباطِلًا. لا يوجدُ لدينا "السَّيِّدُ يتحدَّثُ جيِّدًا"، لا يوجدُ لدينا "السَّيِّدُ يقولُ كلامًا جيِّدًا". لمَنْ هذا؟! هذا للذينَ مَشاعِرُهُم في مُستَوًى مُنخَفِضٍ، أمّا أنتُم فلا يَنبَغي أن تقولوا هذا الكلامَ، يجِبُ أن تقولوا: أيُّ أمورٍ تَنزِلُ مِنْ هُناكَ؟ هذا ما يجِبُ أن تقولوهُ، هذا هوَ الصَّحيحُ. ما مَعنى "السَّيِّدُ يتحدَّثُ جيِّدًا"؟ لقد أُغلِقَ مَلَفُّهُ وقُرِئَتْ فاتِحَتُهُ وانتهى أمره، انتَهى الأمرُ. الآنَ تغَيَّرَتْ أفهامُنا، تغَيَّرَتْ أفكارُنا، وتغَيَّرَتِ الأمورُ، لا يَنبَغي لنا أن نعودَ إلى الوَراءِ ونَبحَثَ فيهِ، لقد مَضى ذلكَ الماضي، مُدرَكاتُنا قبلَ أربَعِ أو خَمسِ سنواتٍ انتَهَتْ، ماذا يجِبُ أن نُفَكِّرَ الآنَ؟. فلنَتَقَدَّمْ قليلًا، ولنَضَعْ قَدَمَنا أبعَدَ، ولا نَجُرَّ أنفُسَنا إلى الخَلفِ. الآنَ أصبَحَتْ عِبارَةُ "السَّيِّدُ يتحدَّثُ جيِّدًا" باطِلةً وذَنبًا، والآنَ اللهُ تعالى لا يَغفِرُها، فلنَنتَبِهْ. الآنَ، بمُجَرَّدِ أن تَرَوني أتحدَّثُ، فالتفتوا وتذكّروا أنّ هذهِ الأمورُ تأتي مِنْ هُناكَ، طبعًا إن كانت صَحيحةً ولم أكُنْ قد خَلَطْتُ الأمورَ.
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾۱. الكلامُ الطَّيِّبُ والصَّحيحُ نِعمةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ تعالى تَنزِلُ مِنْ هُناكَ بأيِّ صورةٍ يريدُها هوَ، في صورةِ إنسانٍ وفي صورةِ حَيَوانٍ. قد يَتَّعِظُ الإنسانُ ويأخُذُ عِبرَةً مِنْ سُلوكِ بعضِ الحَيَواناتِ. سُلَيمانُ عليهِ السلامُ الذي كانَ يَعرِفُ لُغَةَ الحَيَواناتِ كانَ يُفيقُ ويتنَبَّهُ مِنْ حديثِ الحَيَواناتِ، كانَ عُصفورانِ يتحدَّثانِ فيُصعَقُ ويُغشى عليهِ. لدينا الكثيرُ مِنَ الأمورِ والقَضايا حولَ هذا المَوضوعِ. لدينا قَضايا كثيرةٌ حولَ سُلَيمانَ عليهِ السلامُ. فالآنَ لم يَعُدْ يَنبَغي أن نقولَ: "السَّيِّدُ يتحدَّثُ جيِّدًا"، الآنَ يجِبُ أن نقولَ: "ما هي الأمورُ التي تأتي مِنْ هُناكَ؟"، لأنَّ هذا السَّيِّدَ نفسَهُ الذي يتحدَّثُ جيِّدًا الآنَ، قد يقولُ غَدًا حَفنةً مِنَ التُّرَّهاتِ. السَّيِّدُ هوَ السَّيِّدُ نفسُهُ لم يتغَيَّرْ. في ذلكَ الوقتِ تعَلَّقَتِ الإرادةُ بأن تأتيَ هذهِ الأمورُ، وغَدًا لا، غَدًا يَقَعُ الأمرُ في أيدينا! يا وَيلنا! الآنَ يأتي ذلكَ القِسمُ. يجِبُ على العارِفِ، يجِبُ على الفَهيمِ والمُؤمِنِ أن يَرى الأصلَ. هذا النُّزولُ لاسمِ "التَّكَلُّمِ" في هذا القالَبِ يجِبُ أن يعودَ إلى أصلِهِ. أنتُم الذينَ تَستَمِعونَ الآنَ إلى هذهِ الأمورِ وتُفَكِّرونَ وتُدرِكونَ، أنتُم الآنَ مَظهَرٌ لاسمِ "السَّميعِ"، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. السَّميعُ يَعني الذي يَسمَعُ، طبعًا هوَ أدَقُّ مِنْ مَعنى السَّمعِ، يَعني الإدراكَ والقَبولَ والتَّصديقَ، ذلكَ هوَ مَعنى السَّميعِ. والسَّميعُ والمُستَمِعُ شيئانِ مُختَلِفانِ، أي ذلكَ الذي يتقَبَّلُ الأمرَ بروحِهِ وقَلبِهِ. يقالُ: اسمَعْ! يَعني اقبَلْ وصَدِّقْ وتقَبَّلْ، هذا مَعنى السَّميعِ. ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ هوَ الذي يُدرِكُ كلَّ حَقائِقِ عالَمِ الوُجودِ، إدراكًا سَمعيًّا، أي في قَلبِهِ وضَميرِهِ تُعادُ كلُّ آثارِ الوُجودِ. عندما يَنزِلُ مِنْ هُناكَ، في عَودَتِهِ إليه، كلُّ الأمورِ لَا تَشُذُّ عَنْ حِيطَتِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، لا تَخرُجُ عن حِيطَةِ وُجودِهِ مِثقال ذَرَّةٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ خَافِيَةٌ، لا يُمكِنُ لشيءٍ أن يَخفى على اللهِ تعالى. أنتُم الذينَ الآنَ مَظهَرٌ لاسمِ "السَّميعِ"، لا يَنبَغي لي أن أقولَ: "ما شاءَ اللهُ، أيُّ أفرادٍ جاؤوا هُنا، يَستَمِعونَ إلى كلامِنا ويُعجِبُهُمْ!". فبمُجَرَّدِ أن أقولَ هذا، يقولُ اللهُ تعالى: "ماذا حدَثَ؟! هل أنتَ الذي كنتَ تقولُ هذا الكلامَ للآخَرينَ؟! لماذا أنتَ هُنا؟! أنتَ الذي تَحفِرُ بالمِعوَلِ، لماذا لا تَحفِرُ حَديقَتَكَ؟!". والآنَ، بينما الأفرادُ يَستَمِعونَ إلى هذهِ الأمورِ، تَطرَحُ أنتَ مسألةَ الكَثرةِ ومسألةَ الانتِسابِ إلى النَّفسِ! أنا أيضًا يجِبُ أن أنتَبِهَ، كِلانا يجِبُ أن يَنتَبِهَ. أنتُم الذينَ تتوجَّهونَ إليَّ، يجِبُ أن تَرَوا تلكَ الكُلِّيَّةَ مِنْ هذهِ الجُزئيّةِ لتَستَفيدوا بشَكلٍ أفضلَ، وأنا أيضًا يجِبُ أن أرى تلكَ الكُلِّيَّةَ مِنْ هذهِ الجُزئيّةِ، وإذا رأيتُ ذلكَ، تَختَلِفُ الأمورُ كثيرًا.
- سورة النحل (۱٦) الآية ٥٣.
