
الأعمالُ هي حِجابُنا عن الله
كيف تُقصِّرُ أعمالُنا المسافةَ إلى الله أو تُطيلها؟
هل الله تعالى بعيد عنّا؟ ما هي حدود حريّة الإنسان؟ ما هو الحجابُ الحقيقيّ الذي يفصلنا عن الله تعالى؟ كيف تظهر عظمة الإسلام في عصر الجهل؟ ؟ تُجيبك هذه المحاضرةُ التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدَّس الله سرَّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلةِ وغيرها، كما تُسلّطُ الضوءَ على مفهومِ المالكيةِ الحقيقيّةِ للهِ على الإنسانِ وجوارحِهِ، وتَستعرضُ قصصًا من الواقعِ والتاريخِ لتُبيّنَ كيفَ تُصبحُ الأعمالُ حِجابًا كثيفًا أو تُقصِّرُ المسافةَ إلى المحبوبِ.
الأعمالُ هي حِجابُنا عن الله
13فقال [الحرّ]: «كلاّ، القضية جدّية، المسألة جدّية». رأى: كلاّ، هنا القضية ليست مزاحًا. وجاء إلى الإمام الحسين، وقال له: «هل يمكنني أن أتوب؟» «هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟».۱ هل يمكنني أن أتوب؟ ماذا يقول الإمام هنا؟ الإمام هو مظهر رأفة الله ورحمته. الإمام هنا لا ينظر إلى ما فعله، بل ينظر إلى الموقف الحالي! ماذا يفعل الآن؟ ليس ما فعله سابقًا. نحن لا! بل تجدنا نقول: «لقد فعلتَ كذا، انتظر، سأدمّرك، فهل ينتهي الأمر بالتوبة؟! لا يُمكن أن يتمّ الأمر بهذا النحو!». لكنّ الإمام الحسين ليس هكذا. فليس أنّ [الحرّ] لم يكن يُصدّق، بل إنّ عظمة ذنبه وثقله كانا يمنعناه من أن تتجلّى له هذه الحقيقة؛ لأنّه قام بعمل جسيم جدًّا!
فإذا أوقع الإنسانُ ـ عبثًا ـ حيوانًا في الهلاك، فإنّ ذلك لن يُغادر مخيّلته طوال حياته. وإذا قام الإنسان بعمل يُؤدّي إلى هلاك شخص، فإنّ هذا لن يُغادر فكره طوال حياته، إلاّ أن يكون هو بنفسه حيوانًا. الآن، تصوّروا القضيّة، يأتي شخص ويحاصر ابن النبي مع زوجته وأولاده وأصحابه وهكذا، ويوقعه في الفخ، وفي المصيدة، مع العلم أنّ عاقبة الأمر كانت ستتّضح بعد ساعتين أو ثلاث. أيّ ضجّة يجب أن تحدث في نفسه؟ وأيّ جهنّم يجب أن تقوم في هذه النفس بسبب العمل الذي قام به؟ ففي هذه الحالة، لن يستطيع أن يأتي بتاتًا [عند الإمام الحسين]؛ أي أنّه لن يملك القدرة على المجيء. بمعنى أنّ الإنسان إذا أراد أن يتصوّر حال الحرّ، فعليه أن يضع نفسه في تلك الواقعة وفي ذلك الوضع إذا استطاع، وأن يضع نفسه مكانه، وحينئذٍ يرى هل يُمكنه في الأساس؟ وهل لديه الجرأة على أن يعود إلى الإمام الحسين أم لا؟ ولكن، من الناحية الأخرى، فإنّ بحر رحمة الله، ومحيط غفرانه ورحمته الواسعه، ماذا؟ هو بجانبه؛ إذ من يكون الإمام الحسين؟ الإمام الحسين هو مظهر الله تعالى؛ ولهذا، يقول: «حينما تُبت الآن؛ فكأنّك لم تفعل شيئًا، ولم تفعل أيّ عمل». ولا تظنّوا أن الإمام الحسين كان يمزح معه، ويريد أن يُسايره بطريقة ما حتّى لا يكسر قلبه، بل لم يكن في نفس الإمام الحسين غير ذلك بتاتًا. ففي النهاية، قد يعرض الإنسان أحيانًا الأمرَ بطريقة مختلفةً أمام الآخرين، ويطرحه بطريقة أخرى، ويقول: «لا يا سيّدي، لا بأس، ما هذا الكلام؟ ليست هناك مشكلة، ولا يوجد أيّ شيء»، ولكن في قلبه يقول: «لقد حدث كذا، لقد دمّرتنا، ماذا فعلتَ؟! لقد فعلتَ كذا». وأمّا الإمام الحسين، فكان في قلبه صفر، لا شيء، لا شيء، لا شيء. وليس الإمام الحسين فقط، بل السيّدة زينب عليها السلام أيضًا كذلك.. السيدة زينب عليها السلام أيضًا كانت كذلك. فقد يقول الحرّ: «أنا الآن أتعامل مع الإمام الحسين، لكن، كيف أتصرّف مع هؤلاء النساء والأطفال؟! حسنًا، فهؤلاء [ليسوا] هم الإمام الحسين». لكنّه يرى: كلاّ! فحتّى السيدة زينب جاءت، وتصرّفت بالنحو ذاته، وكأنّ شيئًا لم يحدث بتاتًا.
- بحار الأنوار (ط ـ بيروت)، ج ٤٤، ص ٣۱٩:.. قال: فَضَرَبَ الْحُرُّ بْنُ يزِيدَ فَرَسَهُ وَجَازَ عَسْکَرَ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ إِلَی عَسْکَرِ الْحُسَينِ عليه السلام وَاضِعًا يدَهُ عَلَی رَأْسِهِ وَهو يقُولُ: اللَهمّ إِلَيکَ أُنِيبُ فَتُبْ عَلَيَّ فَقَدْ أَرْعَبْتُ قُلُوبَ أَوْلِيائِکَ وَأَوْلادَ نَبِيِّکَ. یَا ابْنَ رسول الله، هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قال: «نَعَمْ، تَابَ اللهُ عَلَيکَ» قال: یَا ابْنَ رسول الله، ائْذَنْ لِي فَأُقَاتِلَ عَنْکَ. فَأَذِنَ لَه.
