
الأعمالُ هي حِجابُنا عن الله
كيف تُقصِّرُ أعمالُنا المسافةَ إلى الله أو تُطيلها؟
هل الله تعالى بعيد عنّا؟ ما هي حدود حريّة الإنسان؟ ما هو الحجابُ الحقيقيّ الذي يفصلنا عن الله تعالى؟ كيف تظهر عظمة الإسلام في عصر الجهل؟ ؟ تُجيبك هذه المحاضرةُ التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدَّس الله سرَّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلةِ وغيرها، كما تُسلّطُ الضوءَ على مفهومِ المالكيةِ الحقيقيّةِ للهِ على الإنسانِ وجوارحِهِ، وتَستعرضُ قصصًا من الواقعِ والتاريخِ لتُبيّنَ كيفَ تُصبحُ الأعمالُ حِجابًا كثيفًا أو تُقصِّرُ المسافةَ إلى المحبوبِ.
الأعمالُ هي حِجابُنا عن الله
12إذا لم أعلم أنّك اغتبتني، فحسنًا، لن يكون لديّ أيّ شعور تجاهك، أليس كذلك؟ سأتعامل معك بصفاء وصدق كما في السابق إذا لم أعلم. فقد قلتَ كلمة عنّي في مكان ما وانتهى الأمر. فعليك أن تقول: «يا سيّدي، ذات يوم، أخطأت وارتكبت خطًا»، وانتهى الأمر! لكن، لو جئتَ وقلتَ لي: «يا سيّدي، سامحني! ففي المجلس الفلانيّ، اغتبتك، وقلت كذا وكذا!». حسنًا، لن أنسى هذا ما حييت.. لن أنساه؛ لهذا، لا ينبغي للإنسان أن يقول ذلك، ولكن إذا وصلت الغيبة إلى ذلك الشخص، حينئذٍ يجب على الإنسان أن يذهب ويطلب منه السماح. لقد وصلته الغيبة، وعندما وصلته، لا يمكن فعل شيء آخر. فيجب أن يذهب ويرضيه بأيّة طريقة، ويجب أن يُزيل الآثار السلبيّة لهذه المسألة؛ لأنّ لها آثار سلبيّة.
توبة الحُرِّ بن يزيد الرياحيّ: مثال على قرب المسافة
وهنا، فإنّ هذا العمل الذي يقوم به الإنسان هو عبارة عن التوجّه، والتوجّه هو عبارة عن الحضور؛ أي أنّ الإنسان حاضر عند الله، وفي أيّ وقت يشاء، يُمكنه أن يتدارك ذلك.. في أيّ وقت. من كان الحُرُّ بن يزيد الرياحي؟ كان رجلاً تسبّب في وقوع كلّ أحداث كربلاء؛ إذ لو أنّه لم يسمح بحدوث تلك الأشياء للإمام الحسين، لذهب عليه السلام إلى اليمن، ولما حصلت كربلاء في الأساس. لكن، عندما جاء يوم عاشوراء، ورأى أنّ الأمر جادّ، ورأى أنّ القضية جادّة، حيث كان يظنّ أنّها ستتمّ بطريقة أخرى... حسنًا، كانت نفسه طيّبة، كانت نفسه طيّبة، كانت نفسه نقيّة. هذه الدنيا وتعلّقاتها وزينتها وأمثال ذلك قد أوقعته في بعض المتاعب، لكنّ نقاءه الخاصّ لم يختفِ؛ فرأى أنّ الأمر ليس مزاحًا يا سيّدي! فموضوع القضيّة هو ابن النبيّ، وهم يُريدون قتله! والمسألة ليست لعبًا.
جاء إلى عمر بن سعد وقال: «ماذا تريد أن تفعل؟» فقال: سأفعل شيئًا، أقلّه هو قطع الرؤوس. ماذا أريد أن أفعل؟! لم نكن عاطلين عن العمل حتّى نجمع ثلاثين ألف جنديّ ونأتي بهم إلى هنا! إمّا أن يستسلم ليزيد وعبيد الله، ونقيّد يديه هكذا ونذهب به إلى هناك، ونُبقيه أمام عبيد الله كأسير؛ ليس أنّ عبيد الله يأتي ويُقيم للإمام الحسين أقواس النصر ويذبح الغنم! كلاّ! سنُقيّد يديه كأسير كما فعل المسلمون بالمشركين في معركة بدر، وجاء النبيّ وقال: «اذهبوا أنتم الطلقاء».. قوموا واذهبوا لحال سبيلكم!۱ سنُقيّد يديه هكذا ويقف أمام عبيد الله؛ فإن أراد هو أن يصفح، فليصفح. وإن لم يرد ذلك، فلا يفعل. هكذا... ظنّوا أنّ الإمام الحسين مثل هؤلاء الناس المنحطّين في الدنيا!
- إعلام الوری بأعلام الهدی (ط ـ القدیمة)، ص ۱۱٢:.. ثُمَّ قال: «أَلا لَبِئْسَ جِيرَانُ النَّبِيِّ کُنْتُمْ لقد کَذَّبْتُمْ وطَرَدْتُمْ وأَخْرَجْتُمْ وفَلَلْتُمْ ثُمَّ مَا رَضِيتُمْ حَتَّی جِئْتُمُونِي فِی بِلادِي فَقَاتَلْتُمُونِي، فَاذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». فَخَرَجَ الْقَوْمُ کَأَنَّمَا أُنْشِرُوا مِنَ الْقُبُورِ، وَدَخَلُوا فِی الْإِسْلام.
