
العبوديّة الحقيقيّة: الراحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ
لماذا تحجبنا أعمالنا عن رؤيّة الله؟
ماذا يعني قرب المسافة إلى الله في السلوك العرفانيّ؟ هل تصوّراتنا عن بُعد الإله حقيقيّة أم وهم؟ ولماذا لا يدرك الكثيرون حقيقة الأمر؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وأكثر، مستعرضة بعضًا من دعاء الإمام السجّاد عليه السلام، ومُبيّنةً كيف أنّ الله أقرب إلينا مما نتصوّر، وكيف أنّ حياتنا تسير بتقدير إلهي دقيق، لا يمكن لظاهر الإنسان أن يخدع الله مهما فعل. كما تطرّقت المحاضرة إلى الفرق بين التوكّل على الله والاعتماد على الوسائل الماديّة، كاشفة عن خطورة الاعتماد على غير الله في الشدائد.
العبوديّة الحقيقيّة: الراحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ
9ـ فقال: وجهها من جميع الجهات؛ تنظر من هذه الجهة فتجدها ناراً، ومن تلك الجهة أيضاً، ومن الأعلى، ومن كلّ الجهات.۱ واستمر بطرح الأسئلة والإمام يجيب. وعندما انتهت أسئلته، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله، وأشهد أنّك وصيّ رسول ربّ العالمين، أشهد أنك أنت الوصيّ. فاستحسن الجمع ذلك وصلّوا على النبي.. أنا أقول: إنّهم بعد أن كبّروا قالوا: يا علي، لا قدّر الله أن يأتي يوم تحدث فيه مشكلة ولا تكون أنت فيه، لا قدّر الله ذلك اليوم. أليس كذلك؟ هذه الحيل والخدع المعتادة التي كان يقوم بها هؤلاء. لكن في المقابل هكذا كان أمير المؤمنين، وهكذا كانت طريقته.
لقد أجاب الإمام علي عليه السلام على اليهودي بأنّ الله في كلّ مكان، لكن مع ذلك يقول لك السادة: ماذا؟! هل يعقل أن يكون الله في هذه الغرفة؟ لا يمكن ذلك، فالله عالٍ جداً وهو بعيد جداً عنا.
ولكن إذا فكّرنا في المسألة بدقّة أكثر، سنتوصّل إلى أنّ الأمر ليس كذلك! بل حقيقة الأمر ما تفضّل به أمير المؤمنين؛ من أنّ الله في كلّ مكان، وحاضر في كلّ مكان، ومع كلّ الأشياء.
علاقة الله بالمخلوقات من وجهة نظر فلسفيّة
قد يسبّب الدخول في تلك المباحث الحكميّة والفلسفيّة الملل للإخوة، ولكن يمكننا بإيجاز أن نختصر المسألة في بضع جمل هي:
لماذا الله في كلّ مكان؟ ولماذا نحن قريبون من الله؟ لماذا؟
لأنّه وفقاً للقاعدة الفلسفيّة، لا شيء أقرب إلى أيّ شيء من العلّة القريبة إلى معلولها. مثلاً أنا وغيري يوجد بيننا تناسب معلولي لا تناسب عِلّي، فكلانا معلولان لعلّة واحدة. ولكن أنا متّحد مع علّتي التي خلقتني وأوجدتني، ووجودي الحادث والباقي والمستمر يستند إلى ذلك الوجود العِلّي. فالوجود الحادث للممكن ينبع من ذلك الوجود عبر إضافة إشراقيّة من الله على قوالب الماهيّات، وكذلك أيضاً الوجود المستمر للممكنات كلاهما يستندان إليه. وبالتالي فإذا لم يكن له وجود، فلن يكون هناك وجود لشيء أبدًا. ولذا، لا شيء أقرب إلى الإنسان من علّة الإنسان، وهي وجود الله تعالى.
- أورد العلامة المجلسي الرواية بطولها في بحار الأنوار، ج ٣۰، ص ٩۰، لكن سماحة السيد أورد جزءًا منها هنا:
قال: فأين يكون وجه ربك؟.
فقال علي عليه السلام لابن عباس: «ائتني بنار وحطب فأضرمها، وقال: يا يهودي! فأين وجه هذه النار؟».
فقال: لا أقف لها على وجه.
قال: كذلك ربي * ﴿فأين ما تولوا فثم وجه الله﴾
- أورد العلامة المجلسي الرواية بطولها في بحار الأنوار، ج ٣۰، ص ٩۰، لكن سماحة السيد أورد جزءًا منها هنا:
