
العبوديّة الحقيقيّة: الراحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ
لماذا تحجبنا أعمالنا عن رؤيّة الله؟
ماذا يعني قرب المسافة إلى الله في السلوك العرفانيّ؟ هل تصوّراتنا عن بُعد الإله حقيقيّة أم وهم؟ ولماذا لا يدرك الكثيرون حقيقة الأمر؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وأكثر، مستعرضة بعضًا من دعاء الإمام السجّاد عليه السلام، ومُبيّنةً كيف أنّ الله أقرب إلينا مما نتصوّر، وكيف أنّ حياتنا تسير بتقدير إلهي دقيق، لا يمكن لظاهر الإنسان أن يخدع الله مهما فعل. كما تطرّقت المحاضرة إلى الفرق بين التوكّل على الله والاعتماد على الوسائل الماديّة، كاشفة عن خطورة الاعتماد على غير الله في الشدائد.
العبوديّة الحقيقيّة: الراحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ
3يقولون: هل أصبحتَ ممن يقول بوحدة الوجود! أوهل كفرتَ وارتدَدتَ وصرتَ نجساً؟! لقد صرتَ ممن يقول بوحدة الوجود وممن يُحكم عليه بالنجاسة؟ فيجب تطهير الكأس بعدما تشرب منه، وأمثال ذلك.
فإذا قلنا: حسناً، الله ليس في هذه الغرفة، الله في الكرة الأرضيّة.
يقولون: لا الكرة الأرضيّة هي محلّ للإنسان والحيوان والجماد، والحال أنّ الله ليس جماداً، وليس مادةً.
نقول: إذن، لا بد أن يكون في السماء!
يقولون: لا، ليس كذلك أيضاً.
نقول: فماذا إذن؟!
يقولون: الله خارج عالم المادّة وعالم العناصِرـ عناصِر جمع عنصر وهو المادة أي "متريال"، وأمّا جمعها"عناصُر" فهو خطأ، بعض الناس في عصرنا لا يعرفون كيف يجمعون الكلمة فيقولون "عناصُر". لكن كما قلنا عُنصر جمعها "عناصِر"
نقول: إذن، لا يوجد إلهٌ في هذا العالم؟!
يقولون: لا يوجد إله في هذا العالم، بل الله يُشْرف على هذا العالم من الأعلى، وقد أحاطه بقدرته، وأمسك الأرض بقوّته المغناطيسيّة، لا أنّه حاضر بنفسه في هذه الكرة، فالله ليس كذلك.
قصّة اليهودي الذي سأل عن مكان الله
جاء يهوديّ إلى المدينة، وقال: لقد جئتُ لأسأل نبيّ آخر الزمان، فقد قرأتُ في كتاب التوراة وعرفتُ صفات نبيّ آخر الزمان، وعرفت مؤخّراً بأنّ نبيّاً قد ظهر بهذه الصفات عندكم، فجئتُ لأسأله. قالوا له: لقد توفّي النبيّ. فقال: لدينا في التوراة أنّ نبيّ آخر الزمان يخلّف وصيّاً له، فمن هو وصيّه؟ فقالوا: هذا خليفة رسول الله فاسأله، وكان (الخليفة الأول) جالساً على منبر رسول الله.
فتقدّم اليهوديّ وقال: أأنت خليفة رسول الله؟
فقال: نعم، وبكلّ فخر.
فقال: لديّ أسئلة أريد أن أسألك إياها.
فقال: تفضّل واطرح أسئلتك.
قال: إذا أجبتَ عن أسئلتي، فسوف أسلم.
قال: قل.
فقال: أين الله؟
وكان [الخليفة الأول] يعرف آيتين من القرآن، فأجاب: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾۱ الله فوق العرش.
فقال: إذن، لا يوجد إله على الأرض؟!
ـ ففكر قليلاً بماذا يجيبه؟! ثم قال: اضربوا هذا الملحد واخرجوه من المسجد! إنّه يكفر ويقول كذا. ٢
التعامل مع الحقّ في المذاهب الأخرى
الأمر دائمًا هكذا يا عزيزي، لطالما كان السؤال عن الحقّ جوابه العصا والطرد، لكنّ المذهب الوحيد الذي كان دائماً يبحث عن الحقّ ويتّبع الحقّ هو مذهب الإمام الصادق عليه السلام ومذهب أهل البيت عليهم السلام. فالإمام الصادق كان يبحث عن إنسان يمكن أن يدخل الكلام الحقّ في رأسه، وأن يكون لديه ذرّة فهم وذرّة إدراك، فكان ينتظر أن يأتي أحد ليعترض أو يسأل حتى يجيب، هذا هو عمل الإمام الصادق. أما البقيّة فلم يكونوا كذلك، لماذا؟ لأنّهم لم يكونوا أئمّةً، وهذا واضح؛ فكلّ من ليس إماماً هو كذلك، إلا أن يكون متّبعًا لإمامٍ اتباعًا واقعيًا وباطنيًا، ليس اتباعًا ظاهرياً فحسب، لا أن يقول ظاهراً: «نحن مذهب أهل البيت، ونحن شيعة الإمام»، ثم يتجاهل أحكام الإمام ويحلق لحيته مثلاً. لا ليس الأمر كذلك، بل ينبغي أن يضع قلبه وسرّه وضميره وسويدائه تحت إرادة الإمام.
- سورة طه (٢۰)، الآية ٥.
- بحار الأنوار، ج ۱۰، ص ٢٦، حدیث ۱٤: أسرار الملکوت، ج ٢، ص ٣٤۸: روي عن أنس بن مالك:
«دخل يهوديٌّ في خلافة أبي بكر وقال: أريدُ خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فجاءوا به إلى أبي بكر، فقال له اليهوديّ: أنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: نعم! أما تنظرني في مقامه ومحرابه؟! فقال له: إن كنت كما تقول يا أبا بكر، أريد أن أسألك عن أشياء. قال: اسأل عمّا بدا لك وما تريد.
فقال اليهوديّ: أخبرني عمّا ليس لله، وعمّا ليس عند الله، وعمّا لا يعلمه الله؟ فقال عند ذلك أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهوديّ! فعند ذلك همّ المسلمون بقتله، وكان فيمن حضر ابن عباس رضي الله عنه فزعق (صاح) بالناس وقال: يا أبا بكر أمهل في قتله!
قال له: أما سمعت ما قد تكلّم به؟ فقال ابن عباس: فإن كان جوابه عندكم، وإلّا فأخرجوه حيث شاء من الأرض. قال: فأخرَجوه وهو يقول: لعن الله قومًا جلسوا في غير مراتبهم، يريدون قتل النفس التي قد حرّم الله بغير علمٍ ... .
