
العبوديّة الحقيقيّة: الراحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ
لماذا تحجبنا أعمالنا عن رؤيّة الله؟
ماذا يعني قرب المسافة إلى الله في السلوك العرفانيّ؟ هل تصوّراتنا عن بُعد الإله حقيقيّة أم وهم؟ ولماذا لا يدرك الكثيرون حقيقة الأمر؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وأكثر، مستعرضة بعضًا من دعاء الإمام السجّاد عليه السلام، ومُبيّنةً كيف أنّ الله أقرب إلينا مما نتصوّر، وكيف أنّ حياتنا تسير بتقدير إلهي دقيق، لا يمكن لظاهر الإنسان أن يخدع الله مهما فعل. كما تطرّقت المحاضرة إلى الفرق بين التوكّل على الله والاعتماد على الوسائل الماديّة، كاشفة عن خطورة الاعتماد على غير الله في الشدائد.
العبوديّة الحقيقيّة: الراحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ
10فالله تعالى يشبّه قربه من الإنسان هنا بالوريد، ويقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾۱. والوريد والشريان هما الشريانان الرئيسيّان للقلب في جسم الإنسان، واللذان يمرّ بهما الدم ذهابًا وإيابًا إلى القلب، وهما أقرب شيء إلى وجود الإنسان. فإذا قطعتَ وريد شخص، فإنّه سيتوفّى بعد دقيقة أو دقيقتين، إذ سوف ينزف دمه ويموت. فالمادّة الحياتيّة لبقاء الإنسان هو نفس الدم الذي يجري في الأوردة، وإذا لم يصل الدم إلى الدماغ لمدّة أربع دقائق، فسيتوقّف الدماغ عن العمل وتموت جميع خلاياه خلال أربع دقائق فقط. إذن، فالدم هو الذي ينشر الحياة في الخلايا وفي الجسم، ولا شيء أقرب إلى الإنسان من الدم. حتّى الماء الذي تشربه لا يمكن أن يمتصّه الجسم كما هو، بل يجب أن يتحوّل الماء إلى دم أوّلاً ثمّ يمتصّه الدم. الجسم بحاجة إلى الخبز، لكن لو وضعت الخبز مباشرة في وريدك ماذا سيحدث لك؟ ستموت فوراً. لذا يجب أن يُهضم هذا الخبز في المعدة والأمعاء أولاً، ثمّ يدخل الكبد، وتتم فيه تلك العمليات الفيزيائيّة والكيميائيّة، ثمّ يقوم الكبد بتحليله، ولا أعرف كيف يتم تحليله، ثم يأخذ جميع مواده واحدة تلو الأخرى، ويُدخلها إلى الدم بما يتناسب مع حاجة الجسم. لذا لا يمكن أن يتحقّق الأمر مباشرةً.
والهواء كذلك، فالجسم يحتاج إلى الهواء، ولكن ليس بشكل مباشر، بل يجب أولاً أن يدخل هذا الهواء إلى الرئتين، ثم يأتي الدم إلى الرئتين، ويمتصّ الأوكسيجين من الهواء، فتدخل إلى خلايا الدم الحمراء، فيتحوّل الهواء إلى سائل داخل الدم الذي يشبه ماء البحر، ثم هذا السائل يوصل الهواء والغذاء إلى الخليّة. وعليه فلا شيء أقرب إلى جسم الإنسان من الدم. لذا قال الله تعالى: ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾.
يريد الله أن يقول هنا: نحن أقرب إليك من الدم. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ هذا الدم الذي تتخيّل أنّه السبب في بقائك واستمرار حياتك.. نحن مصاحبون له؛ نصعد معه وننزل معه، وندخل معه إلى الخليّة، وندخل معه إلى القلب، فنحن معه في كلّ شيء.. في جميع هذه الأمور هناك قوّة وقدرة مسيطرة عليها وتديرها.
- سورة ق (٥۰) الآيّة ۱٦.
