
«وَأنَّ الرَّاحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ المَسَافَةِ»
لماذا نرى الله بعيدًا؟
ماذا يعني قرب المسافة إلى الله في السلوك العرفانيّ؟ هل تصوراتنا عن بُعد الله حقيقيّة؟ ولماذا لا يدرك الكثيرون هذه الحقيقة؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُبيّنةً كيف أنّ الله أقرب إلينا مما نتصوّر، وكيف أنّ حياتنا تسير بتقدير إلهيّ دقيق، لا يمكن للظاهر أن يخدع عنه. كما تتطرق المحاضرة إلى الفرق بين التوكل على الله والاعتماد على الوسائل المادية، وخطورة الاعتماد على غير الله في الشدائد.
«وَأنَّ الرَّاحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ المَسَافَةِ»
2أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين
وصلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَ نَبِيِّنَا أَبِيالْقَاسِمِ مُحَمَّدٍ
وآله الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ
واللعنة عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
«وَ أَنَّ الرَّاحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ»
هل الله بعيد عنا؟
إنَّ الذي يتّجه إليك ويهاجر إليك، سفرهُ هذا قصيرٌ جدًّا، وليس سفرًا طويلاً. إنّ تصوّرنا هو أنّنا بما أنّنا اعتدنا على التعامل مع المسائل الماديّة والطبيعيّة، وتعاطِينا هو مع التفاصيل والعالم الماديّ، فإنّنا بطبيعة الحال نشعر بمسافة وفاصل بيننا وبين الله الذي هو غائب عن أعيننا. فعندما يُذكر اسم الله، ففي هذه اللحظة التي ذكرتُه فيها، ألم تتصوّروا في الذهن أنّ إلهًا بعيدًا جدًّا سيأتي. فمثلاً، تتصوّرون أنّ إلهنا هذا يجب أن يعبر النظام الشمسيّ، وأن يعبر النجوم الثابتة، وأن يجتاز المجرّات واحدة تلو الأخرى، وأن يتخطى تلك النجوم التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة، والتي يُقال عنها نجوم تلسكوبيّة. يجب أن يتخطّى التلسكوبات الظاهريّة، وتلسكوبات الذرّات، وهذه هي آخر مرتبة من الدنيا، آخر مرتبة فيزيائيّة وماديّة كما تقولون أيّها السادة، آخر مرتبة ماديّة. من هناك فصاعدًا، يكون الله، هذا هو التصوّر، أليس كذلك؟ حتى الآن كنا نظنّ هكذا.
يقال لنا: ادعُوا لنا! فنرفع رؤوسنا إلى الأعلى. تأتي في الذهن مسافة طويلة جدًّا. وإذا أردنا أن نُمنّ على الله ونُظهر له المحبّة والمعرفة، نقول: في النهاية، سيصل صوتنا إلى سمعه، صوتنا سيصل إليه في النهاية. لا يمكننا أن نكون بهذا القدر من قلّة اللطف مع الله لنقول إنّه لا يسمع.
قصّة الحاجّ عبد الجليل وابن السيّد الحدّاد
يقال إنّ الحاج عبد الجليل كان يقول، فقد كان المرحوم العلامة يحكي أنّي كنت ذات مرّة في كربلاء، وكان الحاج عبد الجليل هناك، حفظه الله، وهو الآن في الكويت. قال: كان ابن السيّد الحدّاد الأكبر رجلاً بسيطًا جدًّا، بسيطًا للغاية، بسيطًا أكثر من اللازم. فأراد أن يذهب إلى النجف فقال له الحاج عبد الجليل: إذا ذهبت إلى هناك، فبلّغ سلامي إلى أمير المؤمنين، ولي عنده حاجة، فاطلبها لي وتعال. عندي حاجة، أخبر أمير المؤمنين بها، وقل له: فلان لديه حاجة. قال الحاج عبد الجليل: كنّا هناك ليلاً، وعندما عاد، سألناه أن ماذا حدث؟! فقال: والله ذهبت لأخبر عليًّا، فكان رأسه مشغولاً جدًّا، لا أعلم إن كان قد سمع أم لا؟ يا له من إنسان بسيط! ربّما كان هناك صخب أيضًا. أليس كذلك؟
