
«وَأنَّ الرَّاحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ المَسَافَةِ»
لماذا نرى الله بعيدًا؟
ماذا يعني قرب المسافة إلى الله في السلوك العرفانيّ؟ هل تصوراتنا عن بُعد الله حقيقيّة؟ ولماذا لا يدرك الكثيرون هذه الحقيقة؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُبيّنةً كيف أنّ الله أقرب إلينا مما نتصوّر، وكيف أنّ حياتنا تسير بتقدير إلهيّ دقيق، لا يمكن للظاهر أن يخدع عنه. كما تتطرق المحاضرة إلى الفرق بين التوكل على الله والاعتماد على الوسائل المادية، وخطورة الاعتماد على غير الله في الشدائد.
«وَأنَّ الرَّاحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ المَسَافَةِ»
17التوسّل إلى غير الله (إلا المعصومين)
الآن، عندما أراد إبراهيم عليه السلام أن يناجي، لم يتوجّه إلى غير الله، حتّى جبرائيل لم يتوجّه إليه. ومن أعلى من جبرائيل لدينا؟ بالطبع، ما عدا الأئمة والأولياء، فإن أمرهم مختلف. وجودهم مندمج في ذات الله تعالى، والتوسّل بالإمام عليه السلام هو عين التوسّل بالله، فتلك مسألة مختلفة، ولا يوجد فيها أيّ مشكلة.
عَلَیک بِها صَرفًا وَ إنْ شِئْتَ مَزْجَهَا *** فَعَدْلُکَ عَنْ ظَلْمِ الْحَبِيبِ هُوَ الظُّلْمُ. كما يقول ابن الفارض: عليك بها صرفًا وإن شئت مزجها، فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم. فقط إذا أردنا أن نطلب من الله أن ننزل قليلاً، فلا يجب أن نتجاوز الأئمة. هؤلاء المعصومون... أمّا جبرائيل فلا، ولو طلب إبراهيم من جبرائيل، لفعل جبرائيل. ولجعل النار بردًا. ولكنّ إبراهيم سيكون قد خسر هنا. فقد جاء جبرائيل من عند الله. يقول: ماذا أفعل؟ هل لديك حاجة، لديك مطلب؟! فيقول: لا، أمّا إليك فلا.
فيقول له: وماذا عن الله؟
ـ إنّه يرى أيضًا، لا حاجة بي إليك، فأنت مثلي، وأنت حالك كحالي، أنت أيضًا مثلي، لا حاجة لي إليك، فلديّ من يراني.
فالأمر واضح إذن، فليكن واضحًا، فليكن واضحًا.
قرب المسافة إلى الله
يقول الإمام السجّاد: الإنابة إلى هنا فقط، إلى هذا العتبة فقط. الآن وقد أنبت، يجب أن ترضى بقضائه، تلك الأمور التي تقدّرها لك، وقد مرّت جميعها. وما هي نتيجة هذه المسألة؟ «أَنَّ الرَّاحِلَ إِلَيْكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ». هذه نتيجة الفقرتين السابقتين. إن شاء الله، بقيّة الموضوع، لأنّهم يقولون لنا إنك عندما تبدأ بالحديث، يبدو أنّك تنسى الوقت والظروف والمواقف، وتنسى المنتظرين، فهناك منتظرون. تنسى كلّ هؤلاء. تجلس هنا، وعندما ينتهي كلامك هنا، تذهب إلى الطابق، إلى غرفتك. يا رجل، يجب أن تفكّر في الناس قليلاً، أن تفكّر في.... قلت: حسنًا، هذه المرّة لن أتأخّر، كم الساعة يا عزيزي، هل تأخّر الوقت؟ نعم، على كلّ حال، إن شاء الله بقية الأمور للغد. نأمل أن لا ينظر الله تعالى، ببركة الأطهار في حضرته، إلى نقصاننا وإلى مخالفتنا، وأن يجعلنا من التابعين لمسار أوليائه وطريقهم، الذين نعلم حقًّا أنّ الحقّ عندهم. نعلم هذا، نعلم أنّ الحقّ هنا، الحقّ في هذه الأمور، الحقّ في هذه الكلمات. والإمام السجّاد حقًّا يحكي حالنا، ولكن بلسان نفسه، يحكي وضعنا. في دعاء أبي حمزة، كما قلتُ للأصدقاء مرارًا، الإمام السجّاد يُخرج ملف كلّ واحد منّا ويقول: أنت هذا، أنت هذا، أنت هذا. وأقسم بشرفه الشريف وشرفكم أنّ الإمام يقول الحقّ، نحن هكذا. لو قلّت عناية الله ذرّة أو زادت، فإننا لا نختلف أبدًا عن أهل المعاصي وغيرهم. لا نختلف أبدًا، لا نختلف أبدًا. جعلنا الله، ببركة وجود هؤلاء الأطهار، من شيعتهم وسالكي الطريق إلى الله.
