
«وَأنَّ الرَّاحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ المَسَافَةِ»
لماذا نرى الله بعيدًا؟
ماذا يعني قرب المسافة إلى الله في السلوك العرفانيّ؟ هل تصوراتنا عن بُعد الله حقيقيّة؟ ولماذا لا يدرك الكثيرون هذه الحقيقة؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُبيّنةً كيف أنّ الله أقرب إلينا مما نتصوّر، وكيف أنّ حياتنا تسير بتقدير إلهيّ دقيق، لا يمكن للظاهر أن يخدع عنه. كما تتطرق المحاضرة إلى الفرق بين التوكل على الله والاعتماد على الوسائل المادية، وخطورة الاعتماد على غير الله في الشدائد.
«وَأنَّ الرَّاحِلَ إِلَيكَ قَرِيبُ المَسَافَةِ»
15إنابة الأنبياء والملائكة إلى الله
يقول الإمام عليه السلام: لا تشتكِ إلى أحد، ولا تهدر هذه العزّة والشرف الإنسانيّين عبثًا، حتّى أمام الملائكة لا تفعل ذلك. فمن هم الملائكة؟! هؤلاء كلّهم أسباب وأدوات لتدبير مشيئة الله. من هم الملائكة؟! حتّى جبرائيل لا ينبغي أن تُناجيه؛ فمن هو جبرائيل؟! ومن هو عزرائيل؟! ومن هو إسرافيل؟! كانوا يلقون إبراهيم عليه السلام من المنجنيق من الأعلى إلى تلك النار. ولمّا صار في منتصف الهواء، أصابته حرارة النار ولهيبها. ووفقًا لما ذكرته التواريخ، هناك مدينة في العراق تسمى بابل. وقد زرتها، وهذه المدينة هي مدينة نمرود. لقد ألقوا بإبراهيم عليه السلام هناك. عندما عاد أمير المؤمنين عليه السلام من معركة صفين ووصل إلى بابل، لم يكن قد صلّى صلاة العصر. فقال الإمام للجيش: صلّوا هنا، أما أنا فيجب أن أعبر هذه المدينة وأذهب إلى الجانب الآخر من النهر، لأنّه يحرم على النبيّ ووصيّ النبيّ أن يصلّي هنا.فسار الإمام مع ثمانية أو اثني عشر رجلاً حسب بعض الروايات، وعبروا نهر الفرات، هل هو الفرات أم دجلة؟ يبدو أنّه الفرات. عبروا الفرات ووصلوا إلى الجانب الآخر، وكانت الشمس على وشك الغروب، وقد تأخر الوقت. فأشار الإمام، فارتفعت الشمس. تمامًا كإنسان مؤدّب، انحنت برأسها ونزلت، ثمّ وقفت عاليًا. فقال الإمام: الآن توضأوا وصلّوا. فتوضّأوا وصلّوا. ثمّ قال: الآن اذهبي إلى مكانكِ بهدوء، اذهبي من جديد. كانت هذه هي المرّة الثانية التي تُردّ فيها الشمس للإمام، في المرّة الأولى كانت في المدينة وقد هدموا مسجد ردّ الشمس. عندما تشرفنا، رأينا أن مسجد ردّ الشمس قد هُدم، ومنذ سنة ونصف وهو مهدوم هكذا. بالطبع قالوا إنّهم سيعيدون بناءه، لكن يبدو أنهم لا ينوون بناءه وإصلاحه. وهذا أيضًا بسبب أنّ المسجد مرتبط بأمير المؤمنين وهذه المعجزة قد حدثت، وهكذا تظلّ الأتربة فوق بعضها، والحجارة مكدّسة فوق بعضها. هذا هو المكان الثاني.۱
فمدينة بابل هذه، هي المكان الذي ألقوا فيه إبراهيم عليه السلام بالمنجنيق، لأنهم لم يتمكّنوا من الاقتراب. فقد كانت النار تشتعل، ولم تسمح لهم بالاقتراب. فألقوه بالمنجنيق، أي أنّهم وضعوا إبراهيم عليه السلام، مثل هذه القذائف التي كانوا يقذفونها بالمنجنيق في الماضي، وضعوه في المنجنيق. وقذفوه بالمنجنيق ليلقوه في وسط النار. وهناك في الأعلى، جاءه جبرائيل. فقال له: «يا إبراهيم، ما حاجتك؟ ماذا تريد؟» فقال: «رَبِّي أَعْلَمُ بِحَالِي»٢ ربي يعلم بحالي خيرًا منك، فلا داعي للكلام. انظروا، لم يكن نبيًّا بعد، بل كان شابًّا ،على الرغم من أن كلمة «فتى» تُقال للإنسان المسنّ أيضًا، لكن حسب الظروف، كان إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت شابًا. ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾٣. شاب. قال: رَبِّي أَعْلَمُ بِحَالِي. الله أعلم بحالي منّي. لقد أرسل الله جبرائيل، أو جاء هو بنفسه، لا أعلم. في النهاية، الله يريد أن يقول لجبرائيل: تعال، انظر، من هم الذين لديّ؟ وكان الأمر كذلك حقًّا، لم يكن مزاحًا، ليس هذا مكان مزاح. هناك، أيّ حبل كان، يمسك به الإنسان، سواء كان جبرائيل أم عزرائيل، لا فرق.
- راجع حول ردّ الشمس في الموضعين معرفة الإمام ج٤ ص ٣٣ ـ ٣٤.
- بحار الأنوار، ج ٦۸، ص ۱٥٦، وردت هكذا: "فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي".
- سورة الأنبياء (٢۱) الآية ٦۰
