
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
الدين بين الحزن والسرور
كيف يجمع السالك إلى الله بين الشعور الدائم بالفقر والحاجة، وبين عزّة النفس والاستغناء عن الخلق؟ ما هو المفهوم الصحيح لكلّ من الابتهال والفرح في الدين، وهل التشيّع دين بكاء فقط؟ كيف تكون آداب الدعاء والزيارة؟ تجيب هذه المحاضرة لآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة وغيرها، مقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة في الجمع بين المقامات المختلفة في مسير السالك إلى الله.
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
3ما هي العزّة الحقيقيّة وكيف نكرّم أنفسنا؟
العزّة تعني الغنى والترفّع وعدم الخضوع للآخرين؛ الآخرين الذين هم أمثالنا. العزّة تعني أنّ روح الإنسان... كما قال أمير المؤمنين عليه السلام مخاطبًا الإمام الحسن عليه السلام: «يَا بُنَيَّ! وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضًا»، يا بنيّ، أَكْرِمْ نفسَكَ وأعززْها وارفعها عن كلّ أمرٍ حقيرٍ موهومٍ ودنيء، ولا تلتفت إليه، حتى وإن أوصلتك هذه المسائل الحقيرة والدنيئة إلى منافع. «الرغائب» تعني المطالب الكبيرة جدًّا والمنافع العالية جدًّا، وهي جمع «رغيبة» بمعنى الشيء الثمين والنفيس. حتى لو أوصلتك إلى أمورٍ عالية، ومناصب، ودرجات، ورئاسة جمهوريّة، وحكومة، ووزارة، وتجارة، وأموال الدنيا، وذخائرها، والجمال، والانتفاع، والاستمتاع، والنكاح، والزيجات، فلا تُهِنْ نفسك! لأنّك لا تستطيع أن تجعل ما تحصل عليه عوضًا عمّا فقدته، ولا يمكن أن يحلّ محلّه.
فعزّة النفس هذه وترفّع الطبع قد جعلهما الله فيك، ولم تأتِ بهما من عند نفسك. ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾۱ العزّة للّه، والله قد جعل كلّ واحد منّا عزيزًا بواسطة نزول هذه الصفة العزيزة في وجودنا. كلّنا الآن أعزّاء لأنّ الله قد وضع فينا صفة العزّة هذه، ولأنّنا عباده، فالله لا يريد لعبده أن يخضع لمولى آخر. تخيّلوا لو أنّ مولىً شعر بأنّ عبده أو خادمه في منزله قد استدان من مكان آخر، ألا يغضب؟ ألا يذهب ماء وجهه؟! نعم، من الواضح أنّها فضيحة. كيف يكون الحال لو شعر المولى أنّ عبده أخذ طعامًا من منزل آخر وتناول غداءه هناك، أو اقترض مالًا من مكان ما؟! هذه فضيحة كبيرة جدًّا. أمّا نحن، فإنّنا ندوس هذه العزّة الإلهيّة بأقدامنا مجّانًا، ونسحقها، ونحني رؤوسنا أمام كلّ أحدٍ مهما كان، ونتملّق في كلّ مكان، ونقول «نعم» لكلّ أمرٍ ونهي. ما معنى «نعم»؟! قل مرّة واحدة «لا»، فماذا سيحدث؟! ليقل اثنان أو ثلاثة «لا»! ما معنى «نعم»؟! ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾، لقد وضع الله هذه العزّة في عبده وقال: يا عبدي! هذه العزّة لم تحصل عليها بمفردك أو مجّانًا! إنّ عزّتي أنا هي الموجودة فيك، فلماذا تنفقها هنا وهناك بالمجّان؟! لماذا تبدّدها بسبب هذا الإنفاق، ذلك الرأسمال وتلك الحقيقة البكر التي لم تُمسّ، والتي يمكنك بواسطتها أن تصل إليّ؟! لماذا تأكل من رأس مالك وقد ثقبت كيسك؟ يقول الإمام علي عليه السلام: «فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بما...» يا بنيّ، لا يمكنك أن تأخذ عوضًا، ولا يمكنك أن تأتي بشيء مكان «مَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضًا». على كلّ منّا أن يجعل هذا المبدأ أساسًا في حياته، وأن يكون عزيزًا عند الناس، لا ذليلاً، وأن يُظهر العزّة! مثلاً، نقول: «يا عزيزي، الأمر هكذا فإن شئت فاقبل وإن لم تشأ فوداعًا لك!»
- سورة يونس (۱۰) الآية ٦٥.
