
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
الدين بين الحزن والسرور
كيف يجمع السالك إلى الله بين الشعور الدائم بالفقر والحاجة، وبين عزّة النفس والاستغناء عن الخلق؟ ما هو المفهوم الصحيح لكلّ من الابتهال والفرح في الدين، وهل التشيّع دين بكاء فقط؟ كيف تكون آداب الدعاء والزيارة؟ تجيب هذه المحاضرة لآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة وغيرها، مقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة في الجمع بين المقامات المختلفة في مسير السالك إلى الله.
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
2أعوذُ بِاللَه مِنَ الشَّیطانِ الرَّجیم
بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحیم
وصلَّی الله عَلَی سیدنا و نبینا أبیالقاسم محمدٍ
وعلی آله الطّیبین الطّاهرین
واللعنة عَلَی أعدائِهِم أجمَعینَ الی یوم الدین
ما هو الكنز الذي يغني السالك عن الخلق؟
«وَأَنَّ فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ، وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ، عِوَضًا مِنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ، وَمَنْدُوحَةً عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ»
إلهي، حقًّا ويقينًا، وجدًّا وصدقًا، لقد وصلتُ إلى هذه الحقيقة، وهي أنّني أجدُ في التضرّع والتوجّه إلى جودك ورحمتك وعطائك، وفي الرضا بقضائك، عوضًا عن منع أولئك الذين يبخلون. فبدلاً من أن أذهب إلى البخلاء والممسكين، أولئك الذين يلحظون في عطائهم سواء كان عطاءً ماليًّا أم علميًّا أم منصبًا ومكانة أمورًا غير التوحيد، وتقوم أفكارهم على الماديّات والاعتبارات والمساومات والتحزّبات والعلاقات والانغماس في الكثرات والشهوات والأهواء، من أي فئة أو صنف كانوا؛ فإنّني أتوجّه إليك. و«أنَّ» تعني «حقًّا»، فهي للتحقيق. «وَمَنْدُوحَةً عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ». أرى نفسي في سعةٍ وغنى، غنيًّا كلّ الغنى عمّا في أيدي طلاب الدنيا والأنانيّين، أولئك الذين يريدون منافعهم الخاصّة ولا يلتفتون إلى من حولهم أو إلى أيّ شخص آخر. أرى نفسي في غنى عن هذا الباب، فلا حاجة لي به، ومن كان غنيًّا فإنّه لا ينظر إلى ما في أيدي هذا وذاك. من كان غنيًّا فإنّه لا يبني علاقاته على مثل هذه المسائل، ومن كان غنيًّا فإنّه لا يتّخذ هذه المعايير أساسًا في علاقاته وتواصله، بل يلاحظ دائمًا هذين الجانبين في علاقته بنفسه وفي علاقته بخارج نفسه، وفي معياره مع نفسه يرى نفسه محتاجًا دائمًا. علينا أن نبحث عن علاج لأنفسنا في كلّ مرّة نشعر فيها بالاستغناء في علاقتنا بأنفسنا ومسائلنا الشخصيّة. وكلّما شعرنا بالافتقار والحاجة، فهنا يبيّن الإمام السجاد عليه السلام موضع الحاجة والجهة التي يُتوجَّه إليها بالحاجة.
لماذا يجب أن نشعر بالفقر الدائم إلى الله؟
لقد قضيتُ سنواتٍ في خدمة المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله تعالى عليه وسنواتٍ أخرى في خدمة آخرين من الأكابر والأعاظم، وبالتأكيد رأيتُ من العظماء أكثر منكم جميعًا، وهذا أمرٌ واضح، وإن كان المقصود هو مجرّد الوجود في خدمتهم، وإلّا فمن ناحية الاستفادة فالويل لنا! قبل أيّام قليلة، تحدّثت مع بعض الإخوة الذين قدموا من بعض الأماكن، وقلت لهم ما أقوله لكم الآن وخلاصة القول، يعلم الله أنّني لا أظنُّ أنّي أقول خلاف الواقع، وإن شاء الله إن كان فيه خلاف، فهو سيصلحه في درجته ومرتبته وهو أنّني، قسماً بالله، بمقدار ما كنتُ أرى نفسي في زمن المرحوم العلامة الطهراني محتاجًا إلى الأخذ بيدي، فإنّي الآن على نفس المقدار، ولم ينقص من وضعي وحالي مقدار ذرّة واحدة مقارنة بذلك الوقت، ولو كان غير ذلك لكان خطأً! فالإنسان لا يتساهل في علاقته مع الله. مهما تساهلنا في هذه الدنيا وسعينا لخداع أيّ شخص، فإنّنا لا نستطيع خداع أنفسنا! ففي النهاية هناك غدٌ، وليس الأمر أن نقول ونفعل ونذهب وينتهي كلّ شيء! بالطبع، قد يتأخّر الأمر أو يتقدّم؛ ففي النهاية، لقد أوجد الله ما يكفي من أمراض السرطان، والإيدز، وحوادث السيارات، والأمراض، والجلطات القلبيّة، وخلاصة القول إنّ الأمراض موجودة من شعر الرأس إلى ظفر القدم. لقد دخل ميكروبٌ إلى جسد شخص من ظفر قدمه وقتله! لم تعد هناك حاجة حتى للجلطات القلبيّة أو الدماغيّة وأمثالها، فمجرّد ميكروب دخل جسده وأصابه بالكزاز وقتله! والموت لا يخبر بمجيئه. في هذه الدنيا، مهما استطعنا خداع الآخرين، وتظاهرنا أمامهم بصورة مغايرة لحقيقتنا، فإنّنا لا نستطيع خداع أنفسنا. فهل نحن حقًّا في باطننا، في أنفسنا وديننا وشريعتنا وعلاقتنا مع الله، وفي الكمالات المترتّبة على استعداداتنا الوجوديّة، في غنىً ولسنا بمحتاجين؟! يعني لو تُركنا هكذا وقيل لنا: اعملوا ما شئتم، فهل سنقول: حسنًا، نحن في وضع وحال جيّدين على هذا النحو؟! إذا شعرنا بهذا الشعور، فهذا هو جرس الإنذار! لذا، فالمسألة لا تختلف أبدًا. إنّ الغنى والاستغناء محصورٌ بذاته المقدّسة فقط، والغنى الذي يُعطى من قِبَله لأحد هو: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾۱
- سورة المنافقون (٦٣) الآية ۸.
