
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
الدين بين الحزن والسرور
كيف يجمع السالك إلى الله بين الشعور الدائم بالفقر والحاجة، وبين عزّة النفس والاستغناء عن الخلق؟ ما هو المفهوم الصحيح لكلّ من الابتهال والفرح في الدين، وهل التشيّع دين بكاء فقط؟ كيف تكون آداب الدعاء والزيارة؟ تجيب هذه المحاضرة لآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة وغيرها، مقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة في الجمع بين المقامات المختلفة في مسير السالك إلى الله.
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
15لماذا يُعتبر البخل من أكبر موانع السير والسلوك؟
كان الدكتور سجّادي، وهو أحد أصدقائنا، حفظه الله، يروي للمرحوم العلامة رضوان الله تعالى عليه ويقول: عندما كنت أدرس، كان الكثير من هؤلاء الأساتذة لا يخبرون الطلاب بالنقاط الأساسيّة وفنون عملهم، وكانوا يحتفظون بها لأنفسهم حتى لا يتفوّق عليهم أحد! وكنت أتعلّم بصعوبة. والآن، أنا أعلّم طلابي بصعوبة وهم لا يقبلون! ويقولون: يا دكتور! لا داعي لقول هذه الأمور، علّمنا عن إعتام عدسة العين والماء الأبيض وأمثال ذلك، لكي نحصل على المال بشكل أسرع! فمثلاً، أقول إنّ المرض الفلانيّ هو كذا ويحدث كذا، لكنّهم يقولون: «يا دكتور، في أيّ حالة ومتى تحدث هذه المشاكل؟! دلّنا على الطريق وقل لنا بعض الأمور الجيّدة لنصل إلى نتيجة بسرعة!» ثمّ قال لي المرحوم العلامة رضوان الله تعالى عليه: هذه النفوس تتقدّم، هذه النفوس التي لا تبخل في التعليم والتدريس تتقدّم، ولكن أولئك البخلاء الذين يحتفظون بالمعلومات لأنفسهم، ويعلّمون اثنتين ويحتفظون بالثالثة حتى لا يتمكّن ذلك الطالب من أن يصبح مثلهم، فإنّ الله يحتفظ لهم أيضًا ويغلق طريقهم، يقول الإمام السجاد عليه السلام: إنّي آتي إليك لأرتاح من أيدي الباخلين، أولئك الذين يبخلون في المال والتعليم والمسائل الدنيويّة وقضاء الحوائج ورفع المشاكل وفي كلّ اتجاه آخر. «وَمَنْدُوحَةً عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ»، عندما آتي إلى بابك، فإنّي غنيّ، أغنى من كلّ غنيّ.
إن شاء الله، نأمل أن يشملنا الله بهذه الفقرات والمعاني العجيبة، التي على الإنسان حقًّا أن يتّخذ كلّ عبارة من عبارات الإمام السجاد عليه السلام هذه كلوحة وينظر إليها كلّ يوم. إذا كنّا كلّما أردنا الخروج من المنزل استحضرنا هذه العبارة «وَأَنَّ فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ عِوَضًا مِنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ» ونظرنا إليها، فلا يمكن أن لا تؤثّر وتكون بلا تأثير. إذا التفتنا حقًّا إلى هذه العبارة من الإمام السجاد عليه السلام، فكم سيختلف وضع الإنسان ومحيطه ومجتمعه؟! يجب أن نجعل هذه العبارة من الإمام السجاد شعارًا لعملنا وحركتنا، لأنّ كلّ كلمة من كلمات العظماء والأئمّة عليهم السلام هي بمثابة الكيمياء والإكسير وماء الحياة لجزء من أفعالنا وأعمالنا ومجرى حياتنا.
