
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
الدين بين الحزن والسرور
كيف يجمع السالك إلى الله بين الشعور الدائم بالفقر والحاجة، وبين عزّة النفس والاستغناء عن الخلق؟ ما هو المفهوم الصحيح لكلّ من الابتهال والفرح في الدين، وهل التشيّع دين بكاء فقط؟ كيف تكون آداب الدعاء والزيارة؟ تجيب هذه المحاضرة لآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة وغيرها، مقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة في الجمع بين المقامات المختلفة في مسير السالك إلى الله.
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
14قَولُ عَلّىٍ لِحارثٍ عَجَبٌ *** كَم ثَمَّ أعجوُبَةً لَهُ حَمَلَا يا حارِ۱ هَمْدانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنى *** مِنْ مُؤمِنٍ أوْ مُنافقٍ قُبُلا يَعرفُنى طَرْفُهُ وَ أعْرِفُهُ *** بِعَيْنِهِ وَ اسْمِهِ وَ ما فَعَلا وَ أنْتَ عْنِدَ الصِّراطِ تَعْرفُنى *** فَلا تَخَفْ عَثْرَةً و لا زَلَلَا أسقيك مِنْ باردٍ عَلى ظَمَاءٍ *** تَخالُهُ فِى الْحَلَاوَةِ الْعَسَلا أقولُ للِنّارِ حَين توقَفُ لِلْعَرْ *** ضِ عَلى جسرها ذَرِى الّرجُلا ذَرِيه فَلا تَقْرَبيهِ إنَّ لَهُ *** حَبلًا بِحَبل اْلَوحْىِ متّصلًا هذا لَنا شيَعةٌ و شيعَتُنا *** أعطاني اللهُ فيهِمُ اْلأمَلا٢ عندما سمع الحارث الهمداني هذه الأشعار، ظهرت فيه فجأة حالة من البهجة، فنهض من فراش المرض وجلس وقال: إذا أردت أن أرحل الآن عن الدنيا، فلا أخشى شيئًا. عندما يسلّم الإنسان نفسه للولاية ويضع نفسه في ذلك المسار، يكون لديه ابتهال لأنّه محتاج، وبهجة لأنّ لديه أملًا؛ أملٌ في الأفراد وفي الطرف المقابل، وأملٌ في رحمة الله أيضًا.
فنتيجة الحديث في هذا المجلس هي أنّه لا ينبغي للإنسان أن يقصد الله بحالة من المطالبة والاستغناء، بل يجب أن يضع استغناءه في علاقته بالناس.
كراهة سؤال الناس
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّ أفضل العباد عند الله هو أقلّهم مسألة لما في أيدي الناس. حتى إنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله كانوا إذا سقط منهم شيء وهم راكبون لا يقولون للذين يمشون على الأرض: «ناولني هذا»، بل كانوا ينزلون بأنفسهم عن مراكبهم، سواء كانت جمالاً أو غيرها، ويلتقطونه عن الأرض حتى لا يسألوا أحدًا٣. هذا الكلام من النبيّ صلّى الله عليه وآله بأنّ أفضل العباد هو من يكون أقلّ طلبًا وسؤالاً، هو معنى العزّة نفسها. وفي الواقع على الإنسان أن يجعل غناه للآخرين، ويجعل حاجته في داخله وبين نفسه وبين الله. ولازم الحاجة هي تلك الحالة من النحيب والابتهال التي تجلب له الرقّة في وجوده. «وَأَنَّ فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ عِوَضًا مِنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ»، في التلهّف نحو جودك والرضا بقضائك، أي أنّ كلّ ما تقدّره لي أرضى به، حينها لا أحتاج إلى هؤلاء الباخلين، لا أحتاج إلى هؤلاء الذين يريدون لأنفسهم ويمسكون ولا يعطون.
- ترخيم لاسم حارث.
- معرفة الإمام ج۱ ص ۱٩٢ عن (ديوان الحميري)، ص ٣٢۷ و ٣٢۸؛ و أورد أصله عن (أعيان الشيعة)، ج ۱٢، ص ٢٦٣، و (كشف الغمّة)، ص ۱٢٤، و (المناقب)، ج ٣، ص ٢٣۷، و (شرح نهج البلاغة)، ج ۱، ص ٢٩٩.
- من لا يحضره الفقيه، ج ٢، ص ٧١:
عن الحسين بن حماد عمن سمع أبا عبد الله عليهالسلام يقول إياكم وسؤال الناس فإنه ذل في الدنيا وفقر تعجلونه وحساب طويل يوم القيامة.
محمد بن مسلم قال قال أبو جعفر عليهالسلام : «يا محمد لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا ولو يعلم المعطي ما في العطية ما رد أحد أحدا».
عن أبي عبد الله عليهالسلام قال: «جاءت فخذ من الأنصار إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فسلموا عليه فرد عليهمالسلام فقالوا يا رسول الله لنا إليك حاجة فقال هاتوا حاجتكم قالوا إنها حاجة عظيمة فقال هاتوها ما هي قالوا تضمن لنا على ربك الجنة قال فنكس رسول الله صلىاللهعليهوآله رأسه ثم نكت في الأرض ثم رفع رأسه فقال أفعل ذلك بكم على أن لا تسألوا أحدا شيئا قال فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقول لإنسان ناولنيه فرارا من المسألة فينزل فيأخذه ويكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه فلا يقول ناولني حتى يقوم فيشرب.»
أخرج مسلم (۱۰٤٣)، وأبو داود (۱٦٤٢)، والنسائي (٤٦۰)، وابن ماجه (٢۸٦۷)، وأحمد (٢٣٩٩٣) عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: قد بايعناك يا رسول الله ثم قال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس وتطيعوا –يعني: أولي الأمر منكم - وأسر كلمة خفيفة -أسمعهم إياها بصوت خفيف -: ولا تسألوا الناس شيئاً فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه.»
وفي صحيح أبي داود حديث ۱٦٤٣ عن ثوبان مولى رسول الله أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: "مَن يَكْفُلُ لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ فقالَ ثَوبانُ: أنا فَكانَ لا يسألُ أحدًا شيئًا".
