
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
الدين بين الحزن والسرور
كيف يجمع السالك إلى الله بين الشعور الدائم بالفقر والحاجة، وبين عزّة النفس والاستغناء عن الخلق؟ ما هو المفهوم الصحيح لكلّ من الابتهال والفرح في الدين، وهل التشيّع دين بكاء فقط؟ كيف تكون آداب الدعاء والزيارة؟ تجيب هذه المحاضرة لآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة وغيرها، مقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة في الجمع بين المقامات المختلفة في مسير السالك إلى الله.
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
10آداب الزيارة: كيف نزور الأئمّة دون إزعاج الآخرين؟
للأسف، يُرى الآن أنّ هذه الثقافة منتشرة في كلّ مكان، فالناس يذهبون إلى أيّ مكان ويقرأون الزيارة ويبكون! كنّا قد ذهبنا إلى مقبرة البقيع وكنّا نزور ونقرأ زيارة أئمّة البقيع عليهم السلام، وكانوا خلفنا يصرخون بصوت عالٍ لدرجة أنّني أخطأت في قراءة عبارات الدعاء عدّة مرّات وكنت أنتقل من السطر العلويّ إلى السفليّ! وعند الخروج قلت: «يا عزيزي، اذهب إلى فندقك واصرخ هناك بقدر ما تشاء حتى يصل صوتك إلى الثريّا. هذا المكان للجميع، مكان للزيارة، وليس مكانًا للبكاء. في النهاية، ما معنى هذا الكلام؟! الناس يريدون أن يقرأوا الدعاء هنا، ويزوروا، ويعيشوا حالة روحانيّة. وفي وسط هذا الصراخ، يقولون كلّ ما يخرج من أفواههم، وأمورًا متناقضة أيضًا. نجلس في حرم الإمام الحسين عليه السلام ونزور، فيبدأون بقراءة العزاء، وما إن ينتهي أحدهم حتى يبدأ آخر، وعندما ينتهي هو، يبدأ ثالث! وكأنّ لديهم نذرًا. يا سيّدي، الحرم ليس مكانًا للعزاء والبكاء، يجب أن يكون الحرم مكانًا للخلوة والأنس والتوجّه! فاقرأ الزيارة وصلّ واجلس وتوجّه واقرأ القرآن! ابكِ في بيتك، لا مشكلة في ذلك ولا أحد يعترض، ولو بكيت من الليل حتى الصباح فلا اعتراض لدينا. ابكِ بدل النوم والاستيقاظ والاستحمام، لا اعتراض لدينا. لا ينبغي للإنسان أن يُظهر من نفسه ما يزعج حال الآخرين. إن كان هناك إنسان ليس حاله حال بكاء، فلا يمكن إجباره على البكاء، ليس لديه حال البكاء. هل يجب أن يأتي التوجّه مع البكاء حتمًا؟! لا! الإنسان يتوجّه بدون بكاء أيضًا. ثمّ بالصراخ والعويل والشعر وكلّ كلام آخر، يفسدون حال الناس ويتسبّبون في إزعاجهم، في حين أنّ كلّ مكان له حسابه الخاصّ به.
متى نبكي ومتى نفرح؟ لكلّ مقام مقال!
في مجلس العيد لا ينبغي قراءة العزاء بل يجب على الإنسان، بمقتضى العيد، أن يقرأ أشعارًا تجلب الفرح والبهجة والسرور. في مجالس العزاء، يجب على الإنسان، بمناسبة ذلك المجلس، أن يكون في حالة ابتهال وبكاء. الإمام صاحب الزمان عليه السلام يقول أيضًا عن جدّه: «لَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَمًا».۱ ولكن هل يبكي الإمام صاحب الزمان على جدّه أربعًا وعشرين ساعة في اليوم ولا تظهر الضحكة على شفتي الإمام صاحب الزمان عليه السلام أبدًا؟! ألا يتحدّث مع الناس، وهل تكون علاقته بهم مقتصرة على البكاء؟! ليس الأمر كذلك، ففي يوم العيد له حال، وفي الأوقات الأخرى له حال آخر. في إحدى المرّات، أردت أن أتحدّث في مجلس بمنزل المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله تعالى عليه في مشهد، في يوم الثالث عشر من رجب أو في عيد آخر، وكان لباسي، القباء والعباءة، داكن اللون. فقال لي: غيّر لباسك فورًا والبس لباسًا فاتحًا وتعالَ، هذا اللباس ليوم العزاء لا ليوم العيد. يعني إلى هذا الحدّ كان هؤلاء العظماء حريصين حتى في لون اللباس على أن يكون مناسبًا لليوم، وأن يليق بمجلس العيد ويتناسب معه. وفي يوم العزاء أيضًا، كانوا يبذلون قصارى جهدهم. في مدرسة العرفان، يجب أن يوضع كلّ شيء في مكانه، كلّ شيء يجب أن يوضع في موقعه ووضعه، وبشكل كلّي يجب أن يكون الإنسان على هذه الحال.
- مصباح الزائر، ج ۱، ص ٢٢۱. المزار الکبیر، ج ۱، ص ٤٩٦.
