
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
الدين بين الحزن والسرور
كيف يجمع السالك إلى الله بين الشعور الدائم بالفقر والحاجة، وبين عزّة النفس والاستغناء عن الخلق؟ ما هو المفهوم الصحيح لكلّ من الابتهال والفرح في الدين، وهل التشيّع دين بكاء فقط؟ كيف تكون آداب الدعاء والزيارة؟ تجيب هذه المحاضرة لآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة وغيرها، مقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة في الجمع بين المقامات المختلفة في مسير السالك إلى الله.
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
الوصف:
كيف يجمع السالك إلى الله بين الشعور الدائم بالفقر والحاجة، وبين عزّة النفس والاستغناء عن الخلق؟ ما هو المفهوم الصحيح لكلّ من الابتهال والفرح في الدين، وهل التشيّع دين بكاء فقط؟ كيف تكون آداب الدعاء والزيارة؟ تجيب هذه المحاضرة لآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة وغيرها، مقدّمًا رؤية عرفانيّة أصيلة في الجمع بين المقامات المختلفة في مسير السالك إلى الله.
الافتقار إلى الله والغنى عن الخلق
7الدين بين البكاء والابتهاج: كيف نفهمهما فهمًا صحيحًا؟
تقدّم في الجلسة الماضية أنّ الإمام السجّاد عليه السلام قال: «وَأَنَّ فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ»؛ في التلهّف والتضرّع إلى جودك وكرمك. لماذا استخدم الإمام هنا لفظ التلهّف والتضرّع؟! لماذا لم يقل: في الرجوع والإقبال والتوجّه إلى جودك؟! التلهّف، والتضرّع، وحالة الرقّة والبكاء، والابتهال، كلّها تُسمّى بـ اللهف. واللهوف تعني الآهات والابتهالات. فهل على الإنسان أن يكون في محضر الله متلهّفًا دائمًا؟! ألا يمكن للإنسان أن يضحك؟! فلنفترض أنّ حال الإنسان لم يكن حال ابتهال، بل كان فرحًا وضاحكًا وحالته عاديّة، فما الإشكال في ذلك؟! لماذا كان الإمام السجاد عليه السلام على هذه الحالة، وكان دائمًا في هذا الحال؟ ولماذا كان الأئمّة عليهم السلام في مقام الدعاء حالتهم حالة ابتهال؟! ما هو السرّ في هذه المسألة؟!
يتصوّر البعض أنّ الدين والتوسّل والحركة نحو الله والتوجّه إليه يجب أن تكون مصحوبة بالبكاء حتمًا، ويعتبرون الدين مقترنًا وممزوجًا ومقرونًا بالبكاء والابتهال والتلهّف وأمثال ذلك؛ لدرجة أنّ الأجانب يقولون إنّ التشيّع هو دين البكاء، وهؤلاء يبكون دائمًا وينوحون ويقيمون العزاء، وبالطبع يجب أن يكون في مجالسهم ذكر للمصيبة حتمًا! فمثلًا، إن كان هناك مجلس توسّل بسيّد الشهداء عليه السلام ولم يكن في هذا المجلس رثاء، يقولون إنّ هذا المجلس لا فائدة منه، وهكذا أيّ مجلس تُقيمه الجماعات والفرق والفئات والأفراد المختلفون. فتصوّرهم عن الارتباط بالولاية والارتباط بالله هو البكاء والنحيب والتضرّع وأمثال ذلك.
منذ وقت طويل، ذهبنا إلى مجلس؛ لأنّ شخصًا قدم من مكان ما، وقال لنا أحدهم: «سيّدنا، دعنا نذهب لزيارة فلان». بالطبع، لم أكن أرغب كثيرًا بذلك. ولكن لأنّه أصرّ وهناك الكثير من هؤلاء الأفراد! ذهبنا بعد الظهر إلى ذلك المجلس، ودعونا نغضّ الطرف عمّا دار من أحاديث وما جرى من قضايا. كان هناك شخصان جالسان، وفجأة قال أحدهما: لكي لا يكون مجلسنا لغوًا ولهوًا، فلنتوسّل بحضرة بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه أيضًا! فبدأ أحدهما بالرثاء، وما كاد يقرأ السطر الثاني حتى ارتفع صوت صياح ذلك الرجل وصراخه إلى السماء: يا ويلاه، يا حسرتاه! التصوّر هو هذا، وأنّه علينا أينما كنّا أن نبكي ونلطم على رؤوسنا وننوح. وإن كان هناك مجلس، ولنفترض أنّه قُرئت فيه بعض الأشعار، وكانت هذه الأشعار مبهجة وباعثة على الفرح، وبالطبع ليست من هذه الأفراح والبهجات الماديّة والشهوانيّة والنفسانيّة! بل أشعار توحيديّة، أو أشعار عن الأئمّة عليهم السلام أو العظماء، وليست الحالة حالة بكاء؛ بل حالة بهجة وسرور وفرح نورانيّ وفرح رحمانيّ، لا فرح حيوانيّ، فإنّهم لا يقبلون مثل هذه المجالس! من الإشكالات التي يثيرها هذا النوع من «الولائيّين» على سلسلة العرفان هو هذا الأمر؛ يقولون: «هؤلاء ليس في مجالسهم رثاء!» في حين أنّها موجودة، لا أنّها غير موجودة، ولكن ليس المجلس دائمًا مجلس عزاء. إنّهم يكذبون، وهذا الكلام تهمة! فهل يجب عليكم أن تبكوا دائمًا؟! هل تبكون عندما تذهبون إلى منازلكم؟! في منازلكم تتحدّثون وتضحكون. أنتم أيّها الولائيّون، إن كنتم ولائيّين حقًّا، فابكوا دائمًا، لماذا تبكون في المجلس فقط؟! اذهبوا إلى بيوتكم وابكوا، وعندما تريدون النوم ليلًا فابكوا أيضًا! تصوّرهم هو أنّه إذا انقضى مجلس ولم يكن فيه بكاء، فليس بمجلس، وذلك المجلس ليس مجلسًا يدعو إلى الله وإلى طريق الله، بل يجب أن يكون هناك توسّل وأن يكون المجلس على هذا النحو! في حين أنّ الله تعالى قد أودع فينا صفات مختلفة من الجانب الكلّي لصفاته، ومسألة الابتهال والرقّة والعطف هي إحدى الصفات، ومسألة البشاشة والبهجة والنور هي أيضًا إحدى الصفات. فليس الأمر أنّ واحدة فقط منها موجودة. لقد أودع فينا القهر والغضب والرقّة والعطف، ومن ناحية أخرى أودع فينا المسائل المخالفة. ومن حيث المجموع، الإنسان هو مجموعة من تجلّيات الأسماء والصفات الإلهيّة الكلّيّة، وكلّ واحدة منها مفيدة لتكامل الإنسان.
