
قوانين السلوك التكوينيّة
وضع الخالق تبارك وتعالى – وهو أعلم بأنفسنا منّا – القوانين التكوينيّة والتشريعيّة بغية ارتقاء الروح وسلامة البدن، فكانت شروطًا في السلوك والرشد والكمال، فلا بدّ أن يكون الإنسان في هذا الطريق بصيرًا بالقوانين، فلا يعمل مِن تلقاء نفسه. والله تعالى لم يترك شأنًا مِن شؤوننا إلّا ووضع له قانونًا، سواء في العبادات والمعاملات أو في العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة؛ كالطهارة، وكيفيّة تناول الطعام، وحرمة الموسيقى، وحرمة بعض المشاهد، والحمل والرضاع، وتربية الأولاد، والحثّ على التفكّر والتعقّل، والرِّفقة بين الزوجين، والصداقة، وطاعة المرأة للرجل، وضوابط التواصل الاجتماعيّ، والعمل وفق برنامج العظماء، وغيرها. فمَن تبعها ظهرت عليه آثارها التكوينيّة
قوانين السلوك التكوينيّة
5فكما أنّ مصنع السيّارات قد قرّر أنّ السرعة القصوى عند صعود المرتفعات هي ثلاثون كيلومترًا في الساعة، فإن سار بسرعة ثمانين كيلومترًا في الساعة سيتعطّل نظام نقل الحركة التفاضليّ، إذ مِن شأن هذا التصرّف أن يولّد ضغطًا إضافيًّا على المحرّك، ممّا يؤدّي إلى اختلال عمله. فكذلك هي البرامج التكوينيّة الّتي وضعها الله، فهي برامج كفيلة لإيصال الإنسان إلى الكمال، فمَن يعمل بموجبها يتقدّم في مسير الكمال، ومَن يُهملها: فإمّا أن يتوقّف عن السير، أو يَسقط، وهذا لا بدَّ منه شِئنا أم أبينا.
فمَن كان في حمّامٍ دافئ، سينسجم جسمه مع حرارة المحيط الّذي هو فيه، فلا يجوز له حينئذٍ أن يَخرج فجأة إلى المحيط الخارجيّ الّذي تبلغ حرارته خمس عشرة درجة تحت الصفر، لأنّ مِن شأن هذا التصرّف أن يسبّب اختلالًا في مزاج البدن. إنّ درجة حرارة جسم الإنسان الطبيعيّة هي سبعٌ وثلاثون درجة، فلو فرضنا أنّ درجة حرارة الحمّام [الّذي هو فيه] تبلغ أربعين درجة، فسيكون جسده متأقلمًا مع هذه الدرجة، فإن خرج مِنَ الحمّام مباشرة إلى المحيط الخارجيّ الّذي تبلغ درجة حرارته خمسة عشر درجة تحت الصفر، سيؤدّي هذا إلى خفض درجة حرارته بمقدار خمسٍ وخمسين درجة دفعةً واحدة، أتعلمون ما الّذي سيحصل له عندها؟ لقد حصل أن أُغمي على أحدهم جرّاء ذلك ومات. يجب في مثل هذه الحالة أن ينتقل الإنسان بشكلٍ تدريجيّ بين المكانين، حتّى تتأقلم درجة حرارة جسمه مع حرارة المحيط الخارجيّ تدريجيًّا، أمّا الانتقال المفاجئ، فيتعارض مع الطبيعة التكوينيّة للإنسان، وسيؤدّي إلى إصابته بالمرض.
القوانين التكوينيّة للروح وأثرها على السلوك
وهكذا الأمر بالنسبة للروح؛ فلروح الإنسان قوانينها الخاصّة بها في عالَم التكوين، وهي القوانين الّتي تعمل على تكاملها. يقول الله: ألستُ خالق هذه الروح! فما دمتُ أنا خالقها، فهل قوانينها التكامليّة بيدي أم بأيديكم؟ بل هي بيدي، وعليه، فما دمنا لم نصل إلى الكمال بعدُ، وما دمنا لم نُحِط بكافّة شؤوننا، فلا بدّ لنا مِن قوانين كفيلةٍ بتكاملنا، قد وضعها لنا خالقنا؛ وهي الّتي سمّاها بالشرع. فالشرع والتشريع عبارة عن سلسلة قوانين تسوق الإنسان مِن جميع جوانبه إلى الكمال. فإن وجدنا في الشرع قانونًا يتعارض مع الأمور الظاهريّة للإنسان، أو يتعارض مع ما فيه صلاح علاقاته الاجتماعيّة وعلاقاته بالمحيطين به، أو يتعارض مع ما فيه صلاح علاقته بنفسه، بحيث يرى الآخرون أنّ هذا القانون باعثٌ على النقص ويُوجد عوائق في مسير الإنسان، فلا يمكن لمثل هذا القانون أن يكون قانونًا إسلاميًّا.
