
قوانين السلوك التكوينيّة
وضع الخالق تبارك وتعالى – وهو أعلم بأنفسنا منّا – القوانين التكوينيّة والتشريعيّة بغية ارتقاء الروح وسلامة البدن، فكانت شروطًا في السلوك والرشد والكمال، فلا بدّ أن يكون الإنسان في هذا الطريق بصيرًا بالقوانين، فلا يعمل مِن تلقاء نفسه. والله تعالى لم يترك شأنًا مِن شؤوننا إلّا ووضع له قانونًا، سواء في العبادات والمعاملات أو في العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة؛ كالطهارة، وكيفيّة تناول الطعام، وحرمة الموسيقى، وحرمة بعض المشاهد، والحمل والرضاع، وتربية الأولاد، والحثّ على التفكّر والتعقّل، والرِّفقة بين الزوجين، والصداقة، وطاعة المرأة للرجل، وضوابط التواصل الاجتماعيّ، والعمل وفق برنامج العظماء، وغيرها. فمَن تبعها ظهرت عليه آثارها التكوينيّة
قوانين السلوك التكوينيّة
4إنّ هذا الوضع الّذي أقرّه الله هو وضع تكوينيّ، أي أنّه وضَع قانونًا في هذا الشأن، وهو أشبه بالكُتيّب الّذي يُرفقه مَصنع السيّارات مع السيارة عند صنعها، فيُكتب فيه مجموعة مِنَ التعليمات مثل: إنّ مقدار حمولة السيارة كذا، فلا تُحمّلها ثقلًا أكثر مِن هذا المقدار، وإنّ السرعة القصوى [المسموح] بها هو كذا، فلا تسرع أكثر مِن ذلك، وإنّ أقصى درجة مسموح بها لاستدارة الإطارات هي كذا، فلا تدرها أكثر مِن ذلك عند السرعة العالية، وإنّ قدرة تحمّل النابض الحلزونيّ هي كذا، فلا تحمل في السيارة وزنًا أكثر مِن هذا، وإنّ نوع الوقود الّذي يجب استعماله هو كذا.. فإنّ هذه القوانين قوانين تكوينيّة، وليست قوانين ارتجاليّة صدرت مِنَ المدير الفلاني لهذا المصنع، بحيث لو استُبدل هذا المدير بآخر، أمكنك أن تجعل سعة السيّارة خمسة أشخاص بدل أربعة، أو أنّ تشغّلها بالنفط الأبيض بدلَ البنزين، كلّا [لا يمكن ذلك] لأنّه سيُعطّل المحرّك. فقوانين السير وقوانين القيادة لا تتبدّل بتبدّل المدير، بل هي قائمة بذاتها، سواء تغيّر المدير، أم لم يكن هناك مديرٌ أساسًا. هذا ما يُسمّى بالقانون التكوينيّ.
هناك طبعًا بعض القوانين الاعتباريّة، كالقوانين الّتي يضعها مدير المصنع، كأن يجعل مسؤول المشتريات مسؤولًا للإنتاج، أو أن يُعيّن مسؤول الصيانة مسؤولًا لقسم آخر. إنّ هذه التغييرات الّتي يقوم بها هذا المدير هي تغييرات اعتباريّة. أمّا تلك القوانين الّتي تحكم طبيعة المُنتَج الّذي يخرج مِنَ المصنع، فهي قوانين تكوينيّة. إن التزم سائق السيارة بتلك القوانين، فستسلَم السيارة مدّة خمس عشرة سنة، أمّا إن لم يلتزم بها، فستُستهلك في مدّة سنة واحدة فقط؛ فسيرى أنّ نوابضها الرئيسيّة والثانويّة قد استُهلكت، وأنّها بدأت تتفكّك، ومحرّكها بدأ يتعطّل ويحرق الزيت بوتيرة متزايدة، خصوصًا عند صعود المرتفعات، حيث يزداد الضغط عليها، فتكون قد استهلكتْ كافّة أدواتها، ممّا يجعل الفرد غير مطمئن على سلامته [إذا ركبها، وعلى هذا] تُركن السيارة جانبًا في غضون سنة واحدة فقط. إنّ كلّ ذلك يحصل بسبب عدم الالتزام بالتعليمات والقوانين الخاصّة بالسيارة.
لقد أودع الله في الإنسان مجموعة قوانين؛ بعضها يختصّ بسلامته الجسديّة، وبعضها يختصّ بسلامته الروحيّة، وبعضها يشملهما معًا، فتسير هذه القوانين متوافقة مع بعضها البعض إلى الأمام. فالإنسان لم يُترك سدى فيما يخصّ علاقاته بالمحيطين به، فليس له أن يتعامل معهم بأيّ شكل أراد، فتنبسط أساريره يومًا، ويعبس يومًا! ويقطع علاقته بالناس بحسب هواه يومًا، ويصالحهم يومًا! ويغتاب ويتّهم الآخرين يومًا، ثمّ يصالحهم ويُداريهم يومًا آخر! لا يمكن أن تجري الأمور بهذا الشكل، بل إنّ الالتزام والعمل وفق القواعد، هو قانونٌ مِن القوانين التكوينيّة.
