
قوانين السلوك التكوينيّة
وضع الخالق تبارك وتعالى – وهو أعلم بأنفسنا منّا – القوانين التكوينيّة والتشريعيّة بغية ارتقاء الروح وسلامة البدن، فكانت شروطًا في السلوك والرشد والكمال، فلا بدّ أن يكون الإنسان في هذا الطريق بصيرًا بالقوانين، فلا يعمل مِن تلقاء نفسه. والله تعالى لم يترك شأنًا مِن شؤوننا إلّا ووضع له قانونًا، سواء في العبادات والمعاملات أو في العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة؛ كالطهارة، وكيفيّة تناول الطعام، وحرمة الموسيقى، وحرمة بعض المشاهد، والحمل والرضاع، وتربية الأولاد، والحثّ على التفكّر والتعقّل، والرِّفقة بين الزوجين، والصداقة، وطاعة المرأة للرجل، وضوابط التواصل الاجتماعيّ، والعمل وفق برنامج العظماء، وغيرها. فمَن تبعها ظهرت عليه آثارها التكوينيّة
قوانين السلوك التكوينيّة
2أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
إن كان لدى السيّدات أسئلة تتعلّق بما دار في الجلسة السابقة، فليتفضّلنَ بطرحها!
سؤال: قد تقع حادثة في حياة الفرد اليوميّة، تجعله يتصرّف تصرّفًا لا يرضي الله، ويحصل أحيانًا أن يُسلَب الإنسان القدرة على التفكير السليم، فتصدر منه ردّة فعل [غير مناسبة! فهل يتعارض هذا] مع الصدق وإخلاص النيّة لله؟ وما هو العمل الّذي ينبغي فعله في مثل هذه الحالة؟
سماحة السيّد: هل يوجد سؤال آخر؟ علمًا أنّ إحدى السيّدات طرحت في الأمس هذا السؤال أيضًا وهو: يجب أن تكون الحياة مبنيّة على أساس الرِّفقة والصداقة، ومع وجود هكذا علاقة بين الزوجين، يبدو أن لا مبرّر لطرح مواضيع تتعلّق بالخلافات بينهما أو بضرورة تبعيّة المرأة للرجل أو تحديد العلاقة بينهما بإطارِ قوانين معيّنة! كان هذا سؤال سألته إحدى السيّدات، وسأجيب عليه إن شاء الله.
قبل أن أبدأ بالإجابة أشير إلى أنّ إحدى السيّدات أيضًا عرضت موضوعًا لا يرتبط بما تمّ الحديث عنه في المجالس السابقة، ولكن بما أنّ التذكير به لازم، فأرى مِنَ المناسب أن أطرحه الآن، وهو يتعلّق بما جاء في كتاب (الرسالة النكاحيّة) للمرحوم العلّامة، حيث قال فيه: إنّ قرْب المرأة يزداد مِنَ الله في حالات: أن تكون مُرضعةً [إذا] كان لديها ولد أو حاملًا.۱ أمّا الرجال فبسبب عدم ابتلائهم بما تُبتلى به المرأة، فحظّهم الإيمانيّ وارتباطهم بالله يكون محفوظًا في جميع الأوقات، إذ لا يحصل لهم ما يمنع هذا الارتباط وما يمنعهم مِنَ العبادة، فمِنَ الطبيعيّ حينئذ أن ينالوا غايتهم. والسؤال المطروح هو: بلحاظ ما قد يحصل مِن أمور ومِن أمراض تمنع المرأة مِنَ الحمل في بعض الأحيان، فكيف يتوافق هذا مع العدالة؟ وهل مِنَ الضروريّ للمرأة أن تحمل بأيّ نحو كان، فتسعى لرفع المانع مِنَ الحمل حتّى تحفظ لنفسها الجانب العباديّ ذاك؟ كيف ينبغي أن تتعامل مع هذا الأمر؟
القوانين التكوينيّة للفكر وأثرها على السلوك
أقول هنا بشكل عامّ: مِنَ الواضح أنّ المرأة عندما لا تتمكّن مِن مواصلة عبادتها في بعض الأيّام، فوضعها الروحيّ وكيفيّة إقبالها على المبدأ ومقدار نورانيّتها، يتفاوت في هذه الأيّام عن غيرها مِنَ الأيّام. وهذا أمر لا يختصّ بالمرأة وحدها، بل الرجال أيضًا ليسوا مستثنون مِن هذه القاعدة؛ والسبب الّذي يجعل العظماء يؤكّدون في برامجهم السلوكيّة على ضرورة أن يبقى الإنسان دائمًا على طهارة – مِن حين الاستيقاظ مِنَ النوم صباحًا وحتّى المساء باستثناء وقت النوم طبعًا إذ النوم بحدّ ذاته ناقض للطهارة وموجب للحدث – هو أنّ الله قد وضع نظامًا تكوينيًّا لا يتخلّف أبدًا، وجعل النظام التشريعيّ مبنيًّا عليه. وهذا أمرٌ في غاية الأهميّة؛ فمِن شأن هذا الأمر أن يجعل الإنسان شديد المراقبة في كثير مِنَ الموارد؛ فيراقب أفعاله وأقواله وأفكاره. وتُعتبر الأفكار على وجه الخصوص هي الأكثر أهميّة بين ذلك، لأنّها مصدر الأفعال والأقوال؛ فإن كانت أفكار الإنسان مِنَ النوع المتعلّق بالكثرة، وكانت منظّمةً على أساس معايير عالَم الكثرة، لا معايير التوحيد والأخلاق الحسنة، بل مبنيّة على الكثرة والتضادّ والاستبداد بالرأي وجلب المنافع للفرد ولِمَن تعلّق به، فسيَعمل كلّ ذلك حينئذٍ على إغلاق الطريق بوجه الإنسان، وسيترك النظام التكوينيّ تأثيره الواقعيّ والحقيقيّ هنا.
- هو كتاب (الرسالة النكاحيّة؛ الحدّ مِن عدد السكان ضربة قاصمة لكيان المسلمين)، للمرحوم العلّامة السيّد محمّد حسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدس الله نفسه الزكيّة). والموضوع المُشار إليه يقع في ص ٣۷. (م)
