
قوانين السلوك التكوينيّة
وضع الخالق تبارك وتعالى – وهو أعلم بأنفسنا منّا – القوانين التكوينيّة والتشريعيّة بغية ارتقاء الروح وسلامة البدن، فكانت شروطًا في السلوك والرشد والكمال، فلا بدّ أن يكون الإنسان في هذا الطريق بصيرًا بالقوانين، فلا يعمل مِن تلقاء نفسه. والله تعالى لم يترك شأنًا مِن شؤوننا إلّا ووضع له قانونًا، سواء في العبادات والمعاملات أو في العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة؛ كالطهارة، وكيفيّة تناول الطعام، وحرمة الموسيقى، وحرمة بعض المشاهد، والحمل والرضاع، وتربية الأولاد، والحثّ على التفكّر والتعقّل، والرِّفقة بين الزوجين، والصداقة، وطاعة المرأة للرجل، وضوابط التواصل الاجتماعيّ، والعمل وفق برنامج العظماء، وغيرها. فمَن تبعها ظهرت عليه آثارها التكوينيّة
قوانين السلوك التكوينيّة
15إنّ آثار وليّ الله هي آثارٌ تكوينيّة، فليس الأمر بالشكل الّذي يكفي أن يأتي فيه زيد بن أرقم۱ ويقول: هذا وليٌّ. وينتهي الأمر بذلك، بل كان عليه أن يُثبت هذا الأمر بنفسه. إنّ مَن كان يحضر لدى المرحوم العلّامة رضوان الله عليه، لم يكن على عِلم بوجود شخص باسم السيّد الحدّاد، الّذي هو أستاذه، ولم يكن يعلم إن كان السيّد الحدّاد قد أوصى للعلّامة أم لا، نعم، لم يكن الناس يعلمون عن هذا الأمر شيئًا، غير أنّهم ما إن يجلسوا مع المرحوم العلّامة ساعة مِنَ الزمن، حتّى يُدركوا أنّه رجل غير عاديّ، رغم أنّهم لم يعرفوا السيّد الحدّاد، بل [لعلّ بعضهم] لم يكن يقبل به. هل التفتّم! هذا هو الأثر التكوينيّ. أمّا الآن فقد تبدّل كلّ شيء وظهرت على السطح زخارف جديدة.
مَن ليس بوليٍّ فأمره واضح للناس، ويستطيع الناس أن يعرفوه عن بُعْد عشرة فراسخ، لأنّ ذلك سيكون واضحًا في حركاته وسكناته، وسينعكس على جبهته. فالأمر لا يستقيم بأن يقول زيد أو عَمرو أو بكر ما يخالف ذلك. نعم، ليس الأمر بهذا الشكل، بل إنّ لهذه الأمور آثارًا تكوينيّة، إنّ لتصرفات الإنسان آثارًا تكوينيّة؛ أي إن التزم الإنسان بالقوانين التكوينيّة الّتي أمر الله بها، ستظهر عليه الآثار التكوينيّة لتلك القوانين، ستظهر في أسلوب كلامه وفي نظراته وعلاقاته مع الآخرين، وستغيّر طبيعة أفكاره.
تحدّثتُ في إحدى ليالي شهر رمضان هذا، في شرحي لدعاء أبي حمزة [الثمالي]، عن كيفيّة تأثير ولاية الأئمّة عليهم السلام وولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وقلتُ: يوجد كتاب مطبوع سابقًا يحمل اسم (لماذا اخترتُ مذهب الشيعة مذهب أهل البيت)، وهو كتاب باللغة العربيّة لأحد قضاة سوريا، والّذي كان قاضي أنطاكية.٢ كان الرجل سنيًّا فاستبصر، وألّف هذا الكتاب حول أحقيّة مذهب أهل البيت، وعن سبب اختياره لهذا المذهب. إنّه كتاب ممتع جدًّا، وفي نظري أنّ مَن يبدأ بقراءته لن يدعه حتّى يُكمله. قرأت هذا الكتاب عندما كنتُ في العشرين مِنَ العمر، أي قبل ما يقارب الخمسة والعشرين عامًا. فعندما وقع الكتاب بيدي، لم أتركه حتّى أتممت قراءته. سمعت أخيرًا أنّ هذا الكتاب تُرجم إلى اللغة الفارسيّة. إن تصفّحتَ الكتاب ستجد على الصفحة الأولى منه صورة المؤلّف عندما كان قاضيًا، فستراه حينها وكأنّك تنظر إلى صورة عُمر؛ فالعيون حادّة والحواجب مقطّبة والوجه غاضب، فيُذكّرك بصدر الإسلام، أي بحقبة مَن يسمّونهم بالعظماء، الّذين اغتصبوا الخلافة مِن أمير المؤمنين! أمّا الصورة الموجودة في آخر صفحة مِنَ الكتاب، فهي صورته بعد الاستبصار، فستراه بوجه متواضع وعيون خافتة، قد تبدّل شكل عينيه بحيث يستسيغ الإنسان النظر إليها، وستقول: إلهي، هل يمكن أن يكون هذا الرجل هو نفسه الّذي رأيت صورته في الصفحة الأولى مِنَ الكتاب! فهو لم يأخذ حقنة ولا دواءً، ولم يكن مريضًا، فما الّذي حوّله مِن ذلك الشكل إلى هذا؟ إنّ كلّ ذلك قد حصل بفعل الولاية، فولاية أمير المؤمنين عليه السلام، هي الّتي تجعل وجه الإنسان بهذا الشكل. وهذا الأثر هو الأثر التكوينيّ. لعلّ الكتاب لا زال بحوزتي، نعم هو كذلك، ولكن لا أدري أين هو الآن. ولو كنتُ أعلم أنّني سأخبركم حكايته لجلبتُ بكلّ تأكيد معي الكتاب وأريتكم إيّاه، لتروا بأنفسكم أنّ التفاوت بين الصورتين، هو كاختلاف الأرض والسماء. ما السبب في ذلك؟ إنّه بسبب قبول الحقّ، فإنّ قبول الحقّ يترك أثره على وجه الإنسان، فإن رفض أحدهم الحقّ تغيّر وجهه وانقلب.
- هو زيد بن أرقم الأنصاريّ الخزرجيّ، مِنَ أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد حارب في صفّين مع أمير المؤمنين الإمام علِيّ عليه السلام، وأحد رواة حديث الغدير، وكان له موقف في مجلس ابن زياد لعنه الله عندما أحضروا رأس الإمام الحسين عليه السلام. (م)
- هو كتاب للشيخ محمّد مرعي أمين الانطاكيّ، المتوفّي سنة ۱٣۸٣ هـ قـ. وقد نبّه هذا الشيخ في الطبعة الثالثة مِن كتابه، أنّ الكتاب طَبعته بعض الأيادي الآثمة وأسقطت منه، فجميع طبعاته غير معتبرة إلّا الطبعة الّتي دوّن عليها هذه الملاحظة. والكتاب مطبوع بمطبعة مكتب الإعلام الإسلاميّ التابع للحوزة العلميّة في قم المقدّسة. (م)
