
قوانين السلوك التكوينيّة
وضع الخالق تبارك وتعالى – وهو أعلم بأنفسنا منّا – القوانين التكوينيّة والتشريعيّة بغية ارتقاء الروح وسلامة البدن، فكانت شروطًا في السلوك والرشد والكمال، فلا بدّ أن يكون الإنسان في هذا الطريق بصيرًا بالقوانين، فلا يعمل مِن تلقاء نفسه. والله تعالى لم يترك شأنًا مِن شؤوننا إلّا ووضع له قانونًا، سواء في العبادات والمعاملات أو في العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة؛ كالطهارة، وكيفيّة تناول الطعام، وحرمة الموسيقى، وحرمة بعض المشاهد، والحمل والرضاع، وتربية الأولاد، والحثّ على التفكّر والتعقّل، والرِّفقة بين الزوجين، والصداقة، وطاعة المرأة للرجل، وضوابط التواصل الاجتماعيّ، والعمل وفق برنامج العظماء، وغيرها. فمَن تبعها ظهرت عليه آثارها التكوينيّة
قوانين السلوك التكوينيّة
14أتعلمون ما الّذي تعنيه الرِّفقة والصداقة؟ إنّها تعني أن لا يخطر على ذهن الزوجين أنّهما اثنين وأنّهما مفترقين، وأن يريد أحدهما الطرفَ الآخر لنفسه، فكلّ ذلك يتنافى مع مفهوم الصداقة. بل إن قام الزوج بعملٍ، فكأنّما المرأة هي الّتي قامت به، وإن قامتْ هي بعمل، فكأنّما هو القائم به، فيَتصوّران نفسيهما وجودًا واحدًا في جسمين. إنّ ما أعرضه عليكم الآن ليس كلامي، بل هو ما سمعته مِنَ المرحوم العلّامة (رضوان الله عليه) ومِن سائر العظماء، وهو ما تعلّمته مِن تجربتي السلوكيّة ومرافقة العظماء، فقد كانوا يصرّحون بذلك.
ذكرتُ مرارًا أنّه كلّما كانت العلاقة بين الزوجين أكثر خلوصًا، كان نزول الملائكة في تلك الحياة أكثر. وهذا قانون آخر مِنَ القوانين التكوينيّة، والله لا يخدع الزوج والزوجة بهذا الكلام، فليس هذا الكلام مِن أجل أن تمضي حياتهما الاجتماعيّة والمنزليّة بسلام وحسب، وأن ينشغلا في هذه السنوات الّتي يعيشان فيها معًا! كلّا، بل إنّ أصل وأساس سعادة الرجل والمرأة مبنيّة على أن يكونا صديقين في علاقتهما؛ فبهذا تتمثّل السعادة. لا يستطيع الإنسان أن يتقدّم خطوةً واحدة في الطريق إلى الله إن كان ذهنه مشوّشًا، ولن تتوفّر له الظروف المناسبة ما دام يحمل في ذهنه أفكارًا باطلةً.
مَن يلتزم بالقوانين التكوينيّة تظهر عليه آثارها التكوينيّة
قال لي أحد الأصدقاء الّذين فُتحت لهم عين الباطن: كلّما حصل خلاف في حياتنا، ونظرتُ إلى زوجتي أرى تغيّرًا في وجهها، وكأنّها ليست تلك المرأة السابقة، وعندما نتصالح يعود وجهها إلى وضعه السابق بسرعة كبيرة. لقد كان هذا الرجل ممّن يرَون الصور البرزخيّة للبعض على هيئة حيوانات. ولم يكن هذا الأمر خاصّ به، بل يوجد الكثير مِن أمثاله، وهذا أمر مشهود، ولعلّ بعضكم أو كلّكم قد تعرّف على أمثال هؤلاء، أو لعلّنا بشكل أو بآخر قد شاهدنا ذلك بأنفسنا، لأنّ مسائل النفس لا تبقى خافيةً دائمًا، فخصائص النفس ظاهرة، والآثار التكوينيّة المترتّبة على سير الإنسان ستظهر هي الأخرى، فهي غير قابلة للإخفاء.
فعندما كنتُ أرفع صوتي خلال السنوات الستّ الماضية وأقول: إنّ آثار وعلامات وليّ الله واضحة، إنّما كنت أفعل ذلك لهذا السبب. فالناس تستطيع أن تعرف الوليّ، شاء أم أبى، وتشخّص إن كان هذا الفرد الّذي أمامهم وليًّا أم لا. يوجد في هذا الإناء الّذي أمامي ماء، فإن قال لي أحد: إنّ هذا ليس بماء، فسأسكبه في القدح، وأقول له: تفضّل واشرب منه، لترى بنفسك هل هو ماء أم لا، وهل سيرفع عطشك أم ستبقى شاكًّا في أمره! إنّه ماء وهو يرفع العطش، وما دام كذلك سيُعلم أنّه ماء.
